فيدا فياسا، الحكيم صاحب الرؤية المتنورة والأعظم بين مؤرخي العصر القديم، يسجّل نمو عدم الأحقية في عائلات أولئك الذين حكموا الناس قبل حوالي خمسة آلاف سنة. ولذلك السبب جاء المولى كريشنا لتذكير الإنسان بالقيم الحقيقية للحياة والمعيشة. لقد أعاد ذلك الاتصال المباشر بالكينونة التجاوزية التي يمكنها وحدها أن تعطي الاكتمال إلى كلّ نواحي الحياة. لقد كشف الكينونة المطلقة كونها الحقيقة الأساسية للحياة وثبتها، على أنها الأساس لكلّ تفكير، الذي بدوره الأساس لكلّ عمل. هذه الفلسفة للكينونة والتفكير والعمل هي الفلسفة الحقيقية للحياة المتكاملة. إنها لا تساعد الفاعل فقط لكسب النجاح في تعهّده، لكن وفي الوقت ذاته، تحرّره من عبودية العمل، وتجلب الاكتمال إلى كلّ مستوى. إن مثل هذه التعاليم للحقيقة الأبديّة، أعطية من قبل المولى كريشنا إلى أرْجونا في البهاغافاد غيتا.
كادت هذه التعاليم أن تنسى بشكل تدريجي، لذلك وبعد ألفي سنة حتى أن مبدأ الكينونة كونها الحقيقة المطلقة، التي هي المصدر والأساس لكلّ الخليقة، قد حجبت بالمعتقدات الخاطئة التي مجّدت الأوجه النسبية للحياة فقط. "إن انقضاء الزمن الطويل"، يقول المولى كريشنا، هو السبب لخسارة هذه الحكمة.
عندما تم إعادة فلسفة الحياة المتكاملة من قبل المولى كريشنا غاب عن النظر، ونمت الفكرة بأن كلّ شيء يمكن للحياة أن تقدّمه هو حاضر على المستويات الجليّة للوجود، وبالتالي قد يكون عديم الفائدة للتطلّع إلى أيّ شيء قد يتواجد في مستوى أعمق من الظواهر الخارجية. أصبح المجتمع تحت سيطرة وجهة النظر السطحية هذه، وفقدت البصيرة إلى الحقيقة، ونسيا الحس الصحيح للقيم وتحطّم الاستقرار الحياة. وساد التوتّر والتشويش والخرافة والحزن والخوف.
جاء المولى بوذا لمعالجة هذه الحالة. وبوجود الانحراف في حقل العمل. جاء برسالة العمل الصحيح. متكلّماً من مستواه من الوعي الثابت في الكينونة، في الحرية الأبديّة (النرفانا)، علّم المولى بوذا فلسفة العمل في الحرية. دعا للتأمل لكي ينقّي حقل الفكر من خلال الاتصال المباشر بالكينونة وجلب حالة العمل الصحيح في المجتمع. كانت رسالة المولى بوذا كاملة لأنه دمج حقول الكينونة والتفكير والعمل في موضوعه للإحياء. لكن وبسبب إخفاق أتباعه في ربط هذه الحقول المختلفة للحياة بطريقة منهجية من خلال ممارسة التأمل التجاوزي، أصبح إدراك الكينونة بأنها أساس الحياة المرفّهة محجوباً. ولم يصبح التركيب الكامل لتعاليم المولى بوذا مشوّها فقط، بل انقلب رأسا على عقب أيضاً. لقد أخطأ التأثير بالسبب. وكانت الغاية من العمل الصحيح كوسيلة لكسب النرفانا، بينما العمل الصحيح هو في الحقيقة نتيجة هذه الحالة للوعي في الحرية.
لقد كان من سوء حظ كلّ معلّم بأنه، حينما يتكلّم من مستوى وعيه، يمكن لأتباعه أن يتلقوا رسالته فقط من مستواهم؛ والهوّة بين التعاليم والفهم تتوسع مع الوقت.
إنّ تعاليم العمل الصحيح من بدون التأكيد الصارم على الضرورة الأولية لإدراك الكينونة هو مثل تشييد جدار من بدون أساسات. يتداعى بالريح وينهار سريعاً. خلال ثلاثمائة أو أربعمائة سنة اختفت كلّ صلة حقيقية بين التعاليم الأساسية للمولى بوذا والحياة اليومية لأتباعه. وضاعت مرّة أخرى البصيرة إلى مبدأ الحياة المتكاملة. ومع نسيان الأهمية الرئيسية للإدراك الكينونة، أصبح المجتمع منغمساً مرة أخرى في الخرافات السطحية للحياة.
لن تسمح الطبيعة للبشرية أن تكون محرومة من رؤية الحقيقة لمدة طويلة جداً. جلبت موجة من الإحياء شنكرا لإعادة تثبيت أساس الحياة وتجديد الفهم البشري. أعاد شنكرا حكمة المطلق وثبّتها في الحياة اليومية للناس، مقوّياً حقول التفكير والعمل بقوّة الكينونة. لقد جلب رسالة الاكتمال من خلال الإدراك المباشر للكينونة التجاوزية في حالة الوعي الذاتي، الذي هو أساس لكلّ ما هو جيد في الحياة.
نجم تأكيد شنكرا على الإدراك الذاتي عن الفلسفة الأبديّة للحياة المتكاملة التي عبّر عنها المولى كريشنا في البهاغافاد غيتا عندما يسأل أرّجونا أن يكون أولاً من دون الغونات الثلاثة وبعد ذلك أداء العمال حينما يكون بذلك ثابتاً في الكينونة. بأنه يجب على كلّ البشر وفي كل وقت أن يعيشون وعي الغبطة للكينونة المطلقة، وبأنّه يجب أن يعيشوا حالة الاكتمال في وعي الله في من خلال كلّ من التفكير والكلام والعمل؛ هذا هو جوهر رسالة شنكرا، وهو جوهر رسالة المولى كريشنا والفلسفة الفيدية بالكامل.
إن البركة الأعظم التي قدمتها تعاليم شنكرا إلى العالم هي مبدأ الامتلاء للتطوّر الفكري والعاطفي في حالة التنوير، المرتكز على الوعي الصافي التجاوزي، الذي فيه يكون القلب صافياً جداً لكي يكون قادراً على التدفّق وفيضان بأمواج من الحبّ العالمي والولاء إلى الله، بينما يكون العقل صافياً جداً لكي يتمتّع بإدراك الطبيعة القدسية كونها منفصلة عن عالم العمل.
هذا التعبير التلقائي لعقل شنكرا وقلبه في هذه الحالة من الحرية والاكتمال كان مصدر الإلهام لكل أولئك الذين يعيشون بالقلب وكلّ أولئك الذين يعيشون بالعقل. أثبت وعيه الحالة الأعلى للتطوّر البشري؛ بعبّر قلبه عن الولاء تجاوزي الأسمى إلى الله (بارا بهاكتي)، في حين يعبّر عقله عن إدراك الذات بأنها منفصل عن حقل العمل (غيانا). هذا ما قاد خطاب شنكرا ليصبّ في نشوة التعبّد وفي الوقت ذاته إلى التعبير الواضحة عن المعرفة، أي الحقائق الجافّة والعنيدة المتعلّقة بالطبيعة القدسية المنفصلة من العالم. هذان هما وجهتا الحقيقة الحيّة للحياة في الاكتمال الكامل.
لم يحيي شنكرا حكمة الحياة المتكاملة فقط ويجعلها شعبية في أيامه، لكنه أسّس المقامات الرئيسية الأربعة للتعاليم في الأقسام الأربعة من الهند لإبقاء تعاليمه صافية ولضمان بأنّها ستنشر بكمالها جيل بعد الجيل. بقية تعاليمه لعدّة قرون حيّة في أتباعه، الذين عاشوا الحالة المثالية للمعرفة بالولاء والتعبّد (غيان وبهاكتي). لكن وبالرغم من كلّ بصيرته ومساعيه، عانت رسالة شنكرا حتماً مع الوقت، سوء الحظ ذاته مثل أولئك المعلمين العظماء الآخرين.
إذا نسي المقيمين في البيت الأساسات، يكون ذلك بسبب أن الأساسات هي تحت الأرض، مخفية عن النظر. إنه ليس بالأمر المفاجئ بأن تضيع الكينونة عن النظر، لأنها تكمن في الحقل التجاوزي للحياة.
إن حالة الحقيقة، كما يصفها المتنورون، لا يمكنها أن تصبح الطريق للباحث، لا يمكن لنقطة الصول أن تستبدل بالطريق الذي يؤدّي إليها. عندما تصبح الحقيقة بأن الكينونة تشكل الأساس لحالة التنوير محجوبة، تصبح تصاريح شنكرا حول طبيعة الهدف خاطئة نسبة للطريق إلى الإدراك.
لقد زاد سوء الفهم هذا لبلاغة شنكرا الرائعة الجمال. فاعتبر تعبيره عن الولاء العميق في حالة الاستسلام والوحدانية الكاملة مع الله، واعتبرت توضيحاته الفكريّة في حالة إدراك الطبيعة القدسية، اللذان هما ممتلئان وكاملان جداً بذاتهما بأنهما كما فهما من المستوى العادي للوعي، يقدمان طريقتان مستقلتان إلى التنوير: طريق المعرفة وطريق الولاء والتعبّد.
هذه هي مأساة المعرفة، المصير المأساوي بأن معرفة يجب عليها أن تصل إلى أيدي الجهل. إنه أمر حتمي، لأن التعاليم تأتي من مستوى معين من الوعي وتستلًم إلى مستوى مختلف تماماً. يجب أن تتحطّم معرفة الأحادية بمرور الزمن على صخور الجهل الصلبة. لقد أثبت التاريخ ذلك مراراً وتكراراً. لم تستطع تعاليم شنكرا أن تثبت الاستثناء عن القاعدة.
أصبحت فكرة الطريقين أكثر سيادة بسبب إهمال المؤتمنون على تعاليم شنكرا. وبما أنهم اتبعوا طريق التنسك في الحياة، كانوا مهتمّون بشكل طبيعي بأفكار انفصال القدسي عن العالم؛ ، وباستمرار هذه الحالة جيل بعد الجيل، بدأت وجهة المعرفة تسيطر على تقليد شنكرا على حساب وجهة الولاء وبذلك فقدت وجه الولاء والتعبّد أهميتها بشكل تدريجي. فأصبحت التعاليم أحادية الجانب، ومحرومة من شموليتها، وفقدت انتشارها العالمي في النهاية. وأصبح ينظر إليها بأنها مايافادا، أي فلسفة الوهم، التي تعتبر أن العالم هو وهمٌ فقط وتؤكد على طريقة الانفصال في الحياة.
ومع اختفاء مبدأ الكينونة عن الأنظار أكثر فأكثر، أصبحت طريقي الولاء والمعرفة منفصلة أكثر فأكثرإن أن انقطع الرابط بينهم. فافتقد مبدأ التطور الكامل للقلب والعقل من خلال عملية واحدة (التأمل التجاوزي). وفقدت الطبيعة التكاملية للإدراك. كما فقدت الحكمة الحقيقية لاكتمال الحياة، التي تكمن في التطور التلقائي للقلب والعقل. أما الفكرة بأنه يجب أن يكون كل من الولاء والمعرفة منفصلان كانت الضربة الأعظم لتعاليم شنكرا.
في غياب القمر، تسيطر النجوم وتشع ما يمكنها من النور. عندما اختفى المستوى المثالي لشنكرا للولاء التجاوزي عن البصر، قام رآمانوجا ومادهفا وغيرهما من المعلمين بإتباع طريق الولاء، بالرغم من أنّها لم تكن بقاعدتها الصحيحة في الكينونة. تبعهم الناس، وهكذا نشأ العديد من الطوائف التعبدية كلّها على مستوى العاطفة وكلّ واحدة تأسست على الأسس المريحة للأمل بأنه "يوما ما سوف تكون صلاتنا مسموعة، يوما ما سيجيء هو إلينا ويدعونا إليه". في الحقيقة كانت راحة إلى القلب لكن، وللأسف، مثل هذا الولاء هو على المستوى الخيالية للشعور! إنه بعيد، بعيد جداً عن حقيقة الاتصال الفعلي بين المتعبّد وإلهه. إن الإدراك في حالة الكينونة هو وحده الذي يجعل الحقل الكامل للتعبّد حقيقي.
تعتبر كلّ هذه الطوائف بأنّ الولاء التجاوزي هو المرحلة الأخيرة لانجازات المتعبّد. لكن مبدأ شنكرا للولاء هو مرتكز على الوعي التجاوزي منذ البداية. إنّ الخطوة الأولى لشنكرا هي الخطوة الأخيرة لهذه الطوائف التعبدية، الخطوة التي يعتبرونها طبقاً لفهمهم بعيدة تتخطى منال الإنسان العادي.
بضياع الفكرة بأن الولاء يجب أن يبدأ من الوعي التجاوزي من قبل المؤتمنين على حكمة شنكرا، أغلق أمامه المدخل إلى حقل الولاء. فيبقى الباحثون عن الله يبحثون في الهواء الرقيق، ويبقى أحباء الله يبكون من أجله دون أن يجدوه.
ومع كما بقاء الولاء مجرّداً على مستوى التفكير وبافتراض موقف من الشعور (تصنعّ المزاج)، لذلك التقت المعرفة بالمصير ذاته عندما ضاع الطريق المباشر لإدراك الوعي التجاوزي. إن فهم أحادية الحياة لا يمكن أن تكون مهمّة إلا عندما يفهم الفرد بعمق، وبالاختبار المباشرة، بأنّ طبيعته القدسية الداخلية هي منفصلة عن عالم العمل. إذا لم يكسب الإنسان الوعي في الكينونة من خلال ممارسة التأمل التجاوزي، سيواصل الحياة في الجهل والعبودية. لأنه لم يفتح ذاته بعد على اختبار انفصال القدسي عن العالم، إن فكرة الأحادية ليست لها استعمال عملي لهذا الإنسان. وليس له شيء ليتّحد به.
في الحقل الخصب للوعي التجاوزي تجد كل من المعرفة والولاء اكتمالها. لكن عندما نسي هذا المبدأ وفقدت تقنية تطوّر الوعي التجاوزي، مات العديد من الأجيال من بدون رؤية نور الله ومن بدون كسب الاكتمال. تلك كانت هي الحالة لأكثر من ألف سنة. إن سوء الفهم بحد ذاته هو الذي أضاع التقليد الذي، لسوء الحظ عرف بتقليد شنكرا. هذه الخسارة العظيمة للحياة البشرية يمكن أن تعوّض بصعوبة؛ لكن كان ذلك فصلاً من التاريخ. لا يمكن استرداد الوقت. ولا ينفع الندم على الماضي.
في مراجعتنا لصعود وانهيار الحقيقة، لا يجب أن نتغاضى عن التأثير العظيم الذي أنتجه شنكرا في الحياة الهندية. كان الكمال لما تقدّم به هو الذي سبّب في قبول تعاليم شنكرا بأنه صميم الحكمة الفيدية ووضعها في صدارة التراث الهندي. أصبح متلازم جداً مع طريقة الحياة الهندية التي، وعلى مر الزمن، عندما أضاعت هذه التعاليم صفاتها العالمية وتم تفسيرها بأنها نظام التنسك فقط، بدأت الأسس الكاملة للثقافة الهندية تعتبر بأنها أيضاً في طريق حياة التنسك، المرتكزة على الزهد والإعتاق.
عندما أصبحت هذه النظرة الانفصالية للحياة مقبولة بأنها أساس الحكمة الفيدية، فقدت شمولية الحياة واكتمالها. سيطر هذا الخطأ في الفهم على التراث الهندي لعدة قرون وقلبت مبدأ الحياة رأساً على عقب. الحياة على أساس الانفصال! هذا هو التشويه الكامل للفلسفة الهندية. إنه لم يحطّم طريق الإدراك فقط لكنه قاد الباحثين عن الحقيقة بشكل مستمر في الضلال. وفي الحقيقة تركهم من دون إمكانية إيجاد الهدف مطلقاً.
لم يضيع الطريق إلى التنوير فقط، بل اختفى فن الحياة الكامل في غيوم الجهل التي حجبت كلّ مراحل الحياة. حتى الدين أصبح فاقداً البصر لذاته. وبدلاً من أن يساعد الناس مباشرة على كسب وعي الله والتصرّف بشكل صحيح على تلك القاعدة، بدأ المبشرون الدينيون بالتعليم أن العمل الصحيح في بذاته طريق التنقية وبالتالي يؤدي إلى وعي الله.
من دون الكينونة، غزى التشويش للسبب والمسبب كلّ حقل الفهم. إلى أن أسر الحقل الأكثر عملية لفلسفة اليوغا أيضاً. بدأ فهم الكارما يوغا (نيل الإتحاد عن طريق العمل) بأنها تستند على الكارما (العمل)، في حين أن قاعدتها هي اليوغا، التوحيد، الوعي التجاوزي. كما تم إساءة تفسير مؤسس فلسفة اليوغا، بتنجلي بنفسه، وعكسوا نظام المراحل الثمانية لطريقته. وفهمت ممارسة اليوغا بأنها تبدأ بالياما ومن ثم نياما، وهكذا (المزايا العلمانية)، في حين أنه في الواقع يجب أن تبدأ بالسمادي. لا يمكن اكتساب السمادي بممارسة الياما ومن ثم نياما، وهكذا. إن البراعة في المزايا يمكن أن تكسب فقط بالاختبارات المتكرّرة للسمادي. لقد كان ذلك لأن التأثير قد أخطأ فيه بسبب أنّ هذه الفلسفة العظيمة للحياة أصبحت مشوّهة ومنعت الطريق إلى السمادي.
ومع خسارة البصيرة في اليوغا، فقدت الأنظمة الكلاسيكية الأخرى الخمسة من الفلسفة الهندية قوّتها. فبقوا على المستوى النظري للمعرفة، لأنه ومن خلال اليوغا وحدها تخطو تلك المعرفة إلى الحياة العملية.
هكذا نجد بأن كلّ حقول الدين والفلسفة تم إساءة فهما وترجمة بشكل خاطئ لعدّة قرون ماضي. هذا ما منع الطريق إلى التطوّر الأكمل للقلب والعقل، التي تم إحيائها من قبل شنكرا تحديداً.
إن تفسيرات البهاغافاد غيتا والكتب المقدّسة الهندية الأخرى هي الآن مليئة بفكرة التنسك التي ينظر إليها بالارتياب من قبل الأشخاص العمليين في كلّ جزء من العالم. يتردّد العديد من الجامعات الغربية في تعليم الفلسفة الهندية لهذا السبب. تقع المسؤولية لهذه الخسارة للحقيقة إلى العالم بأكمله على عاتق مترجمي تعاليم شنكرا؛ ومع فقدان جوهر حكمته، كانوا غير قادرين على حماية العالم من الهبوط في أعماق الجهل والمعاناة.
لكن هذا العصر له الحظ السعيد. لقد شهد على المثال الحيّ لإنسان ملهم بالحكمة الفيدية في شموليتها وبالتالي قادراً على إحياء فلسفة الحياة المتكاملة بكلّ حقيقتها وامتلائها. إنه صاحب الإلوهية سوامي برمهانندا سرسفاتي، إنه الإلهام والنور المرشد لهذا التفسير للبهاغافاد غيتا، لقد زيّن مقعد شنكراتشاريا للشمال، وتوهّج في الإشعاع القدسي، جسّد في ذاته رأس وقلب شنكرا. شرح الحقيقة في طبيعتها الشاملة. كلماته الهادئة، التي يجيء من الحبّ غير المحدود من قلبه، تخرق قلوب كلّ الذين سمعوها وتجلب التنوير إلى عقولهم. كانت رسالته رسالة امتلاء القلب والعقل. يحرّك مثل التجسد الحيّ للحقيقة وكان يلقّب بتجسّد فيدانتا من قبل الفيلسوف الهندي العظيم، الذي هو الآن رئيس الهند، الدّكتور رادهاكريشنا.
كان اهتمام غورو ديفا، صاحب الإلوهية سوامي برمهانندا سرسفاتي، في تنوير كلّ البشر في كل مكان ما أدى إلى تأسيس حركة التجديد الروحية العالمية في العام 1958، بعد مغادرته عنّا بخمس سنوات. إن الهند هي البلاد التي تهتمّ كثيراً بالحقيقة، والشعب الهندي هو الشعب الذي يعنيه الله أكثر. شهدت الأراضي الهندية الكثير مراحل إحياء فلسفة الحياة الحقيقية. لم يتردد الشعب الهندي أبداً في العودة مرة أخرى إلى الطريق الصحيح حينما يشار إليها بإقناع وبأنّ طريقة حياتهم قد أخذت المنحى الخاطئ. هذا التقبّل للحقيقة للشعب الهندي كان دائماً مصدر الإلهام وإشارة الأمل إلى كلّ الحركات التي تهدّف نحو إحياء الحياة والمعيشة الحقيقية.
ليكن هذا التفسير الحالي للبهاغافاد غيتا، منتجاً للتأثير المطلوب ردّا على الضرورة التاريخية للحاضر.
إنّ غاية هذا التفسير هي في إعادة الحقائق الأساسية للبهاغافاد غيتا وبذلك تعيد أهمية تعاليمها. إذا تم إتباع هذه التعاليم، ستتحقق الفعالية في الحياة، وسيكتمل البشر على كلّ المستويات وستكتمل أيضاً الحاجة التاريخية للعصر.
البهاغافاد غيتا
البهاغافاد غيتا هي نور الحياة، أنارها الله على مذبح الإنسان، لحماية البشرية من ظلام الجهل والمعاناة. إنها كتاب مقدّس يعيش أطول من الزمن، ويمكن الإقرار به أن لا غنى عنه لحياة أيّ إنسان في أيّ عصر. إنه موسوعة الحياة، ويؤمن هذا التفسير دليلاً له.
سيكون هناك دائماً التشويش والفوضى في الحقول النسبية للحياة وسيقع عقل الإنسان في الخطأ والتردد دائماً. إنّ البهاغافاد غيتا هو الدليل الكامل للحياة العملية. إنه موجود دائماً لينقذ الإنسان في أيّ حالة. إنه مثل المرساة لسفينة الحياة التي تبحر في الأمواج العاصفة للزمن.
يجلب الاكتمال إلى حياة الفرد. وعندما يقبله مجتمع، ستكون النتيج في الأمان الاجتماعي والفضيلة، وعندما يسمعه العالم، سيعمّ السلام العالمي الدائم.
يقدّم البهاغافاد غيتا علم الحياة وفنّ المعيشة. ويعلّم كيف نكون، كيف نفكّر وكيف نعمل. إن تقنيته لتمجيد كلّ أوجه الحياة من خلال الاتصال بالكينونة الداخلية، هي مثل سقاية الجذر ولجعل الشجرة خضراء بالكامل. إنه يتفوّق على أيّ حكمة عملية من الحياة ويعتز به أبداً المجتمع البشري.
للبهاغافاد غيتا العدد الأكبر من التفسيرات من أيّ كتاب مقدّس معروف آخر. والسبب في إضافة تفسير آخر هو لعدم وجود أيّ تفسير يكشف النقطة الأساسية حقاً للتعاليم الكاملة.
كشف المفسّرون الحكماء، في محاولتهم لتحقيق حاجة عصرهم، حقيقة التعاليم كما وجدوه. وبقيامهم بذلك ضمنوا مكاناً في تاريخ الفكر البشري. يبرزون بأنهم يحملون المشاعل على الممر الطويل للزمن. لقد غاصوا في أعماق بحر الحكمة. ورغم ذلك ومع كلّ إنجازاتهم المجيدة لم يظهروا النقطة المركزية للبهاغافاد غيتا. من المؤسف أن يفتقد هذا الجوهر الحقيقي لهذه الحكمة القديمة.
تحتاج البهاغافاد غيتا إلى التفسير الذي يعيد صياغتها بكلمات بسيطة التعليم والتقنية الأساسية التي أعطاها المولى كريشنا إلى أرجونا في ساحة المعركة. هناك تفسيرات تسبيح حكمة طرق المعرفة، الولاء والعمل في البهاغافاد غيتا، ولكن لا يوجد التفسير الذي يظهر أنها تؤمن المفتاح العام لفتح باب كلّ هذه الطرق المختلفة لتطوّر الإنسان بشكل تلقائي. لا يوجد أي تفسير حتى الآن يظهر بأنّه من خلال تقنية بسيطة واحدة معلنة في البهاغافاد غيتا، يمكن لأيّ إنسان، ومن دون الحاجة لترك طريقة حياته، أن يتمتّع ببركات كلّ هذه الطرق.
لقد كتب هذا التفسير ليقدّم ذلك المفتاح إلى البشرية ويبقيه للأجيال القادمة.
إنّ البهاغافاد غيتا هو الكتاب المقدّس لليوغا، الكتاب المقدّس للتوحيد القدسي. غايته في الشرح النظري والعملي لكلّ ما نحتاج إليه لرفع وعي الإنسان إلى أعلى مستوى ممكن. إنّ أعجوبة لغتها وأسلوبها هي بأن كلّ تعبير منه يجلب التعاليم المناسب لكل مستوى من مستويات تطوّر الإنسان.
أساساً هناك أربعة مستويات للوعي يتغيّر على كلّ منها طبيعة الممارسة: حالة اليقظة والوعي التجاوزي والوعي الكوني ووعي الله. كلّ تعاليم البهاغافاد غيتا لها تطبيقها على كلّ من هذه المراحل من التطوير. لذلك يجب أن يكون كلّ تعبير مفسراً بأربعة طرق مختلفة لكي تشرح بشكل نظري وبالممارسة، التقدم التصاعدي للحديث على كلّ هذه المستويات الأربعة المختلفة. هكذا إنه من الواضح أن البهاغافاد غيتا ككل يجب أن تفسّر أيضاً بأربعة طرق مختلفة لكي يمكن شرح الطريق الكامل لإدراك الله بوضوح.
بما أن اللبهاغافاد غيتا لم تفسر حتى الآن بهذا الأسلوب، بقيت الرسالة الحقيقية لهذا الكتاب مخفية. من المهم جداً أنّ تكتب هذه التفسيرات الأربعة، ليس فقط من أجل إنصاف الكتاب لكن أيضا لتقديم الطريق المباشر إلى الباحث وإعطائه الحكمة العميقة لهذه الفلسفة العملية.
تتطلّب المعرفة الشاملة لأيّ موضوع بأنّ تكون صلاحيتها مثبّتة بالمعايير المحددة في الأنظمة الستة للفلسفة الهندية: نيايا، فايشيشيكا، سانكهيا، يوغا، كارما ميمانسا وفيدانتا.
ولكي يكون التفسير كامل، يجب أن تكون كلّ وجهة نظرية وتطبيقية وبأي مرحلة من التطور كانت، قابلة للإثبات بكلّ هذه الأنظمة الستّة بشكل تلقائي. وبالتالي تتبع تلك التثبيتات الستة لكل من التفسيرات الأربعة المذكورة أعلاه التي هي ضرورية لكشف الأهمية الكاملة للبهاغافاد غيتا.
يجب أن يعتبر التفسير الحالي القاعدة العامّة لهذه التفسيرات أربع وعشرون. وإذا سمح الوقت، سوف تكتب هذه التفسيرات. لكن لأن العالم هو بأمس الحاجة للمبدأ الأساسي للتطوّير الروحي، نعتقد أنه من الضروري إصدار التفسير الحالي من دون مضيعة للوقت.
من المفيد للقارئ أن يعرف بأنّ هذا التفسير قد أصدر فقط بعد التحقق من التقنية في حياة آلاف الناس من الجنسيات المختلفة في كل أنحاء العالم، تحت رعاية حركة التجديد الروحية التي تأسّست من أجل غاية وحيدة للتجدّد الروحانية لحياة كلّ البشر في كلّ جزء من العالم. إنها تقدّم الحقيقة الخالدة والكونية، حقيقة الحياة التي تناسب كل البشر على حد سواء، بصرف النّظر عن الاختلافات في الإيمان أو الثقافة أو الجنسية.
إنّ المفهوم العامّ لهذا التفسير هو أنه مكمل للرؤية الفريدة والحكمة العميقة لشنكرا العظيم، كما يظهر ذلك في كتابه غيا بهاشيا. هذه الحكمة هي هدية عظيمة من غورو ديف. كلّ المجد له! إنها تقدّم نور الحياة وتضع مجرى الحياة لتجد اكتمالها في بحر الكينونة الأبدية، في الولاء إلى الله وفي غبطة وعي الله.
فليستعمل كلّ إنسان هذه الحكمة العملية الواردة في الآية الخامسة والأربعون للفصل الثاني وبذلك يمجّد كلّ أوجه حياته وينال الحرية الأبديّة في الوعي القدسي.
الفصل الأول
نظرة على التعاليم في الفصل الأول
الآية 1. يبتدئ الفصل بسؤال يتطلب معرفة تفصيلية من ساحة معركة الحياة والمدى الكامل لتطور الإنسان.
الآية 2. يبدأ الجواب بالكلمات التي يمكن أن تترجم لتوضيح الفلسفة الكاملة لتكامل الحياة؛ ليس فقط فلسفة اليوغا، أو التوحيد القدسي، إنما كلّ الأنظمة الستّة للفلسفة الهندية، التي تمثل اليوغا جزء واحد منها فقط. إنّ المعرفة الأكثر منهجية للمدى الكامل للحياة والتطور يتم تقديمها هنا في آية واحدة.
الآية 3. إنّ الضرورة للإدراك بأنّ القوات المضادة على ساحة معركة الحياة هي من صنع الفرد.
الآيات 4 إلى 6. جرد حساب للقوات التي تدعم الخير.
الآيات 7 إلى 11. جرد حساب للقوات التي تدعم الشرّ.
الآيات 12 إلى 13. يبتهج الشرّ في تحدّي الشرّ.
الآيات 14 إلى 19. يردّ الخير على تحدي الشرّ.
الآيات 20 إلى 24. يأخذ الباحث عن الحقيقة موقفاًً له بين القوات المضادة للخير والشر.
الآية 25. يكون وعيه مرفوعاً بموجة من المحبّة الملهمة إلهياً.
الآيات 26 إلى 28. يرى حقيقة ساحة معركة الحياة؛ ويرى نزاع القوات المضادة كأنها من الصميم الحياة.
الآيات 29 إلى 46. يتقصّى بعمق ويجد ستّ عشرة مشكلة أساسية تشكّل قاعدة لكلّ النزاعات. يريد حلاً لكي يمكنه أن يعيش حياة خالية من المشاكل.
الآية 47. تقديره للمشاكل الأساسية المتأصّلة في الحياة هو حادّ جداً بحيث يصبح شعوره بنفس شعورهم بالكامل. فيقف صامتاً، ومنغمس جداً، يبحث عن حلّ على مستوى الاستحالة، حيث لا يوجد أي حلّ.
هذه هي الحالة الأكثر تطرفاً التي يمكن أن تواجه الباحث عن الحقيقة. ومن أجل حلّ هذه الحالة المتطرّفة، تزوّد النصوص القديمة للتوحيد القدسي حلاً بسيطاً واحد لكلّ المشاكل في الحياة.
ملخص سريع
يهيّئ هذا الفصل الأرضية ويضع المشهد للحوار المجيد لأغنية المولى، البهاغافاد غيتا. بالرغم من أنّ الفصل لا يحتوي الحديث الفعلي للمولى، والذي يبدأ فعلاً في الفصل الثاني، فهو يقدّم المشاكل الأساسية للحياة ويعطي المولى كريشنا الفرصة لاقتراح الفلسفة والممارسة اللتان تمكّنان الإنسان على عيش حياة خالية من المعاناة. إنه فصلٌ ذات قيمة عظيمة لمساهمته في علم الحياة.
يخدم الفصل كعريضة من ممثل الجنس البشري إلى تجسّد القدسّي - عريضة لتقول بأنه وبالرغم من أنّنا نحاول أفضل ما يمكن كي نعيش حياة الأحقية، إلا أن المعاناة لا تبدو أنها تفارقنا. فيكون المطلب: أعطنا حياة خالية من المعاناة.
هناك جملة قصيرة واحدة في هذا الفصل تكلّمها المولى كريشنا إلى أرْجونا في ساحة المعركة. الكلمة الأولى التي تخرج من شفاه المولى تملأ أرْجونا بالمحبّة وترفع قلبه إلى الطبقة المرتفعة من عقله. يكسب كلّ من قلب أرْجونا وعقل ، بالرغم من أنه ثابت في مستوى عالي من اليقظة، تلك الحالة من الاكتفاء الذاتي حيث يضيع التواصل بينهما تقريباً، وبذلك يفقد الدافع إلى النشاط. لكن داخلياً يرتفع وعي أرْجونا إلى ذلك المستوى العالي للتعليق الذي ينقّي قلبه وعقل من كلّ الشوائب ويمكّنه من تقبل حكمة المطلق، الرسالة الخالدة للحياة لمنفعة الكلّ، في فترة قصيرة.
عندما يرى دوريودهانا جيشه الخاص والجيش المقابل له متراصون في ساحة المعركة، يعطي الإشارة للعراك. وأرْجونا، النبّال الأكبر في زمانه، مدروس وواعي، صمّم على معارضة الشرّ ومع فيض قلبه بموجة من المحبّة، يتصوّر نتائج الحرب ويصل إلى حالة التعليق بين ما يمليه عليه قلبه و ما يمليه عليه عقله. تعطي هذه الحالة، حيث يكون الوعي في حالة من التعليق، وحيث يكن كل من العقل والقلب على الحدّ الأعلى من اليقظة، المناسبة المثالية للذكاء القدسي ليتخطى ويحدد قدر الإنسان.
إن الحياة هي ساحة المعركة للقوات المضادة. ومن يلجأ إلى الذكاء القدسي، مثل أرْجونا، يتلقى النور ويشترك في الغاية الكونية لاكتمال ذاته والآخرون. لكنّ من يؤخذ بالإغراء، مثل دوريودهانا، يصبح عائقاً على الحياة؛ فيعيق تطوره الخاص ويعيق تقدّم الآخرين أيضاً.
يقدّم هذا الفصل ميكانيكية الطبيعة ويكشف أساسيات الحياة والمجتمع. في حين يبقى على المستوى البشري، فهو يصوّر مرتفعات الوعي البشري الذي به ينزل القدسي على الأرض. إنه يؤمن ألأسس القويّة لصرح تعاليم المولى كريشنا - حكمة الحرية الأبديّة في الحياة.
يبدأ الفصل مع دهريتارشترا في قصره الملكي في هاستينابور يسأل سانجايا لإخباره عن المعركة.
الفصل الثّاني
نظرة إلى التعاليم في الفصل الثّاني
الآية 1. إنّ باحث الحقيقة واقع في حالة من التعليق، لأنه لا يرى أي حلّ إلى المشاكل الأساسية للحياة.
الآيات 2 إلى 3. من وجهة نظر القدسّي، لا توجد المشاكل. تتغلّب الشائبة على الكرامة التي تعود إلى الحياة بشكل طبيعي.
الآيات 4 إلى 9. يبدو هذا البيان حول طبيعة الحياة بلا معنى لمن يعرف بشكل واضح بأنّ المشاكل موجودة في قاعدة الحياة الفردية والاجتماعية. وبما أنه إنسان عملي، فهو لا يتمنّى غضّ النظر عنها.
الآيات 10 إلى 38. إليه تأتي التعاليم، فتعطي البصيرة في الحياة. هناك وجهتان للحياة، الجسم المتغير والذات الثابت، والتي بطبيعتها الحقيقية هي الكينونة المطلقة. إلى أن يتم إدراك الكينونة، تكون الحياة من دون أساسات ثابتة وتبقى مرتكزة فقط على المشاكل الأساسية للوجود، حتى ولو كانت متوافقة مع الطبيعة الكليّة القدرة وقوة التطور. تجل معرفة الذات والكينونة اتزان العقل.
الآيات 39 إلى 44. يصبح الاتزان دائماً بكسب الوعي المطلق: يكسب العقل وعي المطلق بشكل طبيعي وبسهولة، لكن الإنسان الذي ينغمس في المتعة الحسّية يفتقده.
الآيات 45 إلى 48. تكمن التقنية في السماح للعقل بالوصول بشكل طبيعي إلى الوعي المطلق وبعد ذلك، وبعد أن يصبح ملماً بامتلاء الحياة، يرتبط بالعمل.
الآيات 49 إلى 52. تكون الفوائد بتحسّن الكفاءة والنجاح الأعظم في كلّ حقول الحياة، والتخلص من المشاكل والتحرّر الكامل من العبودية.
الآيات 53 إلى 72. إن وصف الحياة الثابتة في الاتزان ومن الإجراءات الوقائية لحماية تلك الحالة المباركة للحرية في الوعي القدسي.
ملخص سريع
هذا فصل هو روح البهاغافاد غيتا، في حين أن كلّ ما يتبع يشكّل الجسم. الأمل والاكتمال هما بركات هذا الفصل المجيد. يعطي الطريق المباشر للحياة المسالمة والنشيطة والناجحة في العالم، سوية مع الراحة الروحية والتحرّر من العبودية.
يشرح الفصل البرهما فيديا بكمالها – حكمة المطلق من الناحيتين النظرية والعملية – ويقدّم الفكرة المركزية للعنوان الكامل للبهاغافاد غيتا. فيه منشأ الأفكار التي تطورت في كلّ الفصول التالية.
وفي الوقت ذاته، هذا الفصل هو ذاتي الاحتواء. فهو بذاته قوي بما فيه الكفاية لرفع أيّ عقل، مهما كان مستواه متدنياً. إنه يقدّم فلسفة الحياة الكاملة، بدءاً من حالة الباحث وانتهاءًً ي في حالة الاكتمال.
تستمر الفكرة في الفصل الأول في بداية من هذا الفصل. تجد القوة المحتملة التي تقع في خلفية حالة التعليق لأرْجونا مخرجاً لها في بحر الحكمة الأبديّة للمولى كريشنا.
يتم تصوير ظروف أرجونا، التي ألهمت المولى كريشنا لكشف الحكمة السرية للحياة المتكاملة، في بداية الفصل، وينكشف مفتاح هذه الحكمة الآية الخامس والأربعون.
الفصل الثّالث
نظرة على التعاليم في الفصل الثّالث
الآيات 1-4. الرصانة، هي قاعدة كلّ النجاح والخلاص في الحياة، يتم اكتسابها وتصبح دائمة بطريقين: بطريق المعرفة وطريق العمل.
الآيات 5-16. تثقّف هذان الطريقان العقل وتعيد توجيه وظيفة الحواس. بممارسة كسب الوعي التجاوزي ومن ثم بالانشغال بالعمل، وبتغلغل الكينونة إلى طبيعة العقل، يتمكن على الحفاظ على الرصانة وعلى وضع الحواس بشكل تلقائي لأداء الأعمال التي هي طبيعية ومفيد إلى التطور.
الآيات 17-20. عندما، يصبح الوعي التجاوزي دائماً، ومن خلال الممارسة، تكون غاية كلّ عمل قد تمّت. في هذه الحالة من الاكتمال، يتوجب إنجاز العمل الصحيح، لأنه يجلب الكمال إلى الحياة والخير إلى العالم.
الآية 21. يجب على الفرد أن يكون حذراً في أعماله، لأن الآخرين يتبعونه كمثال.
الآيات 22-26. إنّ سيد الخليقة، ومع بقائه بذاته غير متورط، يكون منشغلاً في النشاط بشكل ثابت. لذلك يجب على الإنسان الذي يعيش في نور الله أن ينشغل بالعمل، ويبقى بذاته غير متورط، ويلهم الآخرين على أداء واجبهم الطبيعي.
الآيات 27-29. إن كلّ الأعمال يتم تأديتها بقوات الطبيعة. لكن، بسبب الجهل، يأخذ الإنسان تأليفهم على نفسه ويصبح مقيداً بواسطتهم. يعرف الرجل المطّلع الحقيقة ويتمتّع بالحرية حتى بينما شغل في النشاط.
الآيات 30-35. يجب على الإنسان المتنور أن يساعد في رفع وعي الجاهل. إنّ التقنية لرفع الوعي هي في التنازل عن كلّ عمل إلى الله. السيطرة لا تنجز أيّ شيء، لأن كلّ شيء هو محسوب طبقاً للطبيعة. معيار العمل الصحيح هو ليس ما هو مرغوب وما هو غير مرغوب، لكن هو الواجب الطبيعي.
الآيات 36-43. إنّ الحماس المولود من الرغبة والغضب يتعارض مع ممارسة كسب الرصانة. إنّ مقر الرغبة والغضب هو في الحواس والعقل والفكر. وبرفع الإدراك فوق هذه ليصبح ثابتاً في الوعي التجاوزي، يصبح الفرد قادراً على أداء العمل الصحيح بشكل تلقائي في حالة الحرية. عندما يتطوّر الوعي التجاوزي للتواجد في حالة وعي اليقظة، وبذلك تتواجد الحالة الداخلية الخالية من المشاكل في العالم الخارجي للمشاكل. ويعيش الإنسان في الحرية بينما يعمل في حقل العبودية. هذا هو مجد طريق العمل.
ملخص سريع
قدّم الفصل الثاني براهما فيديا – أي حكمة الحياة الكاملة، حكمة المطلق والنسبي – في كلتا وجهتيه، النظرية والعملية. إنّ الوجهة النظرية تدعى حكمة السانكهيا؛ إنها تجلب فهم المطلق والحقول النسبية للحياة كما وأنهما منفصلان، الواحد عن الأخرى. إما الوجهة العملية فتدعى يوغا، وهي تجلب الاختبار المباشرة لهاذين الحقلين للحياة في الانفصال.
إن طبيعة هذا الاختبار الذي يتم اكتسابها من خلال ممارسة اليوغا وتطبيقها في الحياة في العالم سيتم كشفها في هذا الفصل الثالث. إنّ الهدف هو في جعل حالة وعي الغبطة المطلق دائمة، كي لا تفقد حتى عندما يكون العقل منشغلاً في نشاط الحقل النسبي. إن هذا وحده يمكنه أن يعطي الاختبار الكاملة للحياة، كون الحياة هي نسبية ومطلقة بشكل آني.
يقدم هذا الفصل الثالث التطبيق العملي للفصل الثانية. إنه يصف بالتفصيل دور "ثبات الفكر" في الحياة العملية، لكي يزوّد أولئك المشغولين في التعامل التجاري في العالم بطريقة مباشرة للتطور والتحرر الأبدي. إن تعليمه هي قابل للتطبيق لكلّ شخص، مهما كانت مهنته.
يطوّر هذا الفصل الفكرة الرئيسية المتضمنة في كلمات الأولى للآية 48 من الفصل الثاني: "يوغا ستات كورو كارماني" ومعناها "اثبت في اليوغا، وقم بالعمل". هذا المذهب من كارما يوغا، أي يوغا العمل، يشكّل الموضوع الرئيسي لهذا الفصل.
الكارما هو حقل التنويع، ويوغا تعني الوحدة. لذا لكي نفهم كارما يوغا يجب على الفرد أن يكون متآلفاً بالقدر الممكن مع أحادية الحياة كما هو الحال مع حقل التنويع؛ فقط بواسطة التآلف مع كلا الحقلين يمكن للفرد أن يفهم الرابط بينهما. إنّ تعاليم الفصل الثالث هي مصمّمة لإعطاء ذلك. لكن من المهم أن يتذكر طالب الكارما يوغا بأن الفهم الفكري لتعاليم هذا الفصل من دون الاختبار الشخصي للطبيعة الحقيقية للأحادية، لا يمكنه أبداً أن يجني ثمار الكارما يوغا. إن تقنية الاتّصال المباشر بالوعي القدسي التجاوزي، كما تظهر في الآية 45 من الفصل الثاني، يجب أن يتم ممارستها؛ وفقط على أساس ذلك الاختبار الشخصي من الممكن بلوغ الاكتمال في الحياة من خلال الكارما يوغا. إنّ ممارسة التأمل التجاوزي هي أساسية إذا كانت حكمة هذا الفصل ستوضع في الاستعمال العملي.
الفصل الرابع
نظرة على التعاليم في الفصل الرّابع
الآيات 1-8. إن هذا الطريق في العمل لكسب النجاح في العالم والحرية في الوعي القدسي هي من التقاليد القديمة. في محتواها هي أبدية. حتى إذا ضاعت نقاوتها مع مرور الزمن وضاعت في ذاكرة الإنسان، في كلّ مرة ترجع في العالم بموجة من الإحياء تأتي من الله.
الآيات 9 و10. معرفة القدسيّ بأنه منفصل عن النشاط، ومعرفة ولادة المولى وأعماله بالقدسية، فترفع وعي الإنسان إلى تلك النقاوة التي تضعه على المستوى القدسي.
الآيات 11 و 12. ردّ الفعل القدسي على الإنسان تعتمد على عمل الإنسان باتجاه القدسي. يولد النجاح من العمل في عالم البشر.
الآيات 13-15. بعد أن عرف القدسي بأنه الخالق وبأنه منفصل عن النشاط، يتبع الباحثون عن التحرر هذا المثال وينشغلون بالعمل.
الآيات 16-22. بما أن مضمار العمل لا يمكن إدراكه، يكون أداء العمل الصحيح ممكناً فقط بمعرفة الطبيعة القدسية. يتم اكتساب هذه المعرفة بالكامل في الوعي القدسي، التي فيها يتم الحفاظ على الحرية الداخلية والنشاط الخارجي بشكل متزامن.
الآيات 23-33. باكتساب الوعي القدسي يرتفع الإنسان إلى وحدانية الحياة، وفي هذه الحالة يكون كلّ النشاط في نور الله. وتتتوّج كلّ الأعمال في معرفة الله.
الآيات 34-38. وبالثبات في هذه المعرفة، يرى الإنسان كلّ الكائنات في ذاته ويجد ذاته في الله. تضع هذه الحالة العليا للنقاوة في وعي الله، النهاية للجهل ولكلّ عبودية العمل.
الآيات 39-42. يضيء نور هذه المعرفة في قلب من هو ممتلئ بالإيمان ونية الغاية وحواسه خاضعة. ويجلب السلام الدائم من دون تأخير.
اكسب حالة عدم التعلق والتحرر من الشكوك؛ وكن ثابتاً في الذات ولن تربطك أعمالك.
ملخص سريع
ينبع هذا الفصل بذات النفس للمولى كما هو في الفصل الثّالث. تحتوي الآية الثامنة والأربعون من الفصل الثّاني الأفكار الرئيسية ي للفصلين: "اثبت في اليوغا … وأدي العمل" في الفصل الثّالث، و"وبتركك للتعلق وبعد توازنك في النجاح والفشل" في الفصل الرّابع. هذين الفصلين سوياً هما بالتالي كافيان لجلب التنوير إلى الباحث. أنهما يعطيانه، بقدر ما يمكن للكلمات أن تعطي، الاختبار المطلوبة والفهم الكامل عنه.
قدّم الفصل الثاني مذهب التحرر. إنه يحلّل الحياة في الوجهة النسبية والوجهة المطلقة ويعد بالتحرر من خلال معرفة ذلك.
تتألف المعرفة بشموليتها كل من الفهم والاختبار. لذلك، ولكي يكسب الاكتمال الإنسان من الضروري أن يكتسب الاثنان معاً؛ الفهم والاختبار للنسبي والمطلق، بصرف النّظر فيما إذا كان يسلك طريق رب البيت أو المتنسك. إنها تتبع تلك الحكمة للسانكهيا، التي تجلب التحرر من خلال فهم النسبي والمطلق، وممارسة اليوغا، التي تجلب التحرر بتأمين الاختبار المباشرة للمجالين للوجود، إنهما الطريقين إلى التنوير. إن كلّ هذه التعاليم هي متضمنة في الفصل الثاني.
يقدم الفصل الثالث مذهب العمل المصمّم لجعل اختبار المطلق دائماً، كما ذكر بداية في الآية الخامس والأربعون للفصل الثاني.
عندما يصبح هذا الاختبار للمطلق دائماً، يتم الحفاظ على الإدراك الذاتي بشكل طبيعي خلال كلّ من حالات وعي اليقظة والحلم والنوم العميقة. يختبر الفرد ذاته منفصلة عن النشاط. حينما يعيش الفرد هذه الحياة من غير التورط، وغير التعلق الطبيعي، يبدأ فكره بالاستفسار: "هل هذه هي حقيقة الحياة؟ وهل لهذا الإحساس من الانفصال أو عدم التعلق علاقة بالحياة الحقيقية، أو هل هو الهروب من الحياة؟ هل هذه الحقيقة من الحياة هي ثنائية - ثنائية الكينونة والنشاط؟ إن مثل هذه الشكوك يتم إزالتها بالمعرفة المعطاة في الفصل الرابع.
يحلل هذا الفصل، ومع تكرّسه إلى معرفة الزهد، طبيعة الفعل وطبيعة الفاعل على المستويين؛ الفردي والكوني - على مستوى الإنسان وعلى مستوى الله - وبعد ذلك يعلن نتيجة هذا التحليل المنهجي والمنطقي: أن الفعل والفاعل هما مستقلان عن بعضهما البعض؛ ويوجد هناك حالة طبيعية من الانفصال بينها في كلّ المستويات. هذه حالة من غير التعلق أو الزهد، تؤمن من ناحية الأساس الصلب للحرية الأبديّة للفاعل، ومن ناحية أخرى النجاح الأقصى الممكن في العمل وبالمردود الأكثر تمجيداً. هي حالة الزهد التي توفر ساحة اللعب الأبديّة للقدسي وللإنسان. إن جهل هذا الأساس الطبيعي للحياة هو سبب العبودية وكلّ المعاناة. إما معرفته فتؤدّي إلى الحرية الأبديّة. إن كشف هذه المعرفة هي غاية الفصل الرابع.
أما الناحية الفاتنة في هذا الفصل هي في إظهار معرفة الزهد في العمل، إنه يوضّح الحقل الكامل للعمل، مظهراً كيف يتقدّم مجرى الحياة نحو المجالات الأعلى للوجود (الآية 10) ونحو القوى الأعلى في الطبيعة (الآية 12)، إلى أن يندمج ببحر الحرية الأبديّة في وعي الله (الآية 9).
إن هذا الفصل للمعرفة هو في غاية الأهمية بالنسبة للباحث، لأنه يشرح الاختبار الأكثر قيمةً على الطريق إلى التنوير، اختبار الانفصال بين الذات والنشاط. وكلما يتقدم في الممارسة، سيصل الباحث بالتأكيد إلى ذلك الاختبار؛ وإذا تابع في المضي بيسر على طريقه، غير معاق بالشكوك، يجب أن يمتلك هذه المعرفة.
لكي يظهر المعرفة الكاملة للانفصال أو حالة الزهد، الموجودة بين الذات والنشاط، يوضّح هذا الفصل المجالين للحياة النسبي والمطلق. وفي القيام بذلك، يعلن فلسفة الامتلاءان الموجودة في الأوبانيشاد: "هذا كامل وذلك كامل"، بورنامدا بورناميدام– إن تلك الكينونة المطلقة التجاوزية الأبدية وغير الظاهرة هي كاملة، والعالم المتغيّر باستمرار النسبي الظاهر للوجود الظاهري هو كامل. إنّ المطلق هو أبدي في طبيعة غير المتغيرة أبداً، والنسبي هو أبدي في طبيعته المتغيّرة باستمرار.
تجد هذه الحقيقة الحيّة لامتلاءين في الوعي الكوني إتمامه في الوحدة الكبيرة لوعي الله. في شرح هذه الفلسفة الموحّدة للامتلاءين، يقدّم هذا الفصل صميم الحكمة المتضمن في هذا النصوص لليوغا، ولهذا السبب يبدأ المولى في إعطاء أرْجونا وصفاً لتقاليد هذه اليوغا.
الفصل الخامس
نظرة على التعاليم في الفصل الخامس
الآيات 1-3. يكتسب التحرر من خلال العمل والزهد ؛ لكن طريق العمل هو متفوّق، بالرغم من أنّ الزهد يجلب التحرر من العبودية بسهولة.
الآيات 4-10. لا تعتبر الطريقان منفصلان من قبل الحكماء. يرى مدركي الحقيقة الطريقين كأنهما واحد؛ إن الزهد هو صعب المنال من دون التوحد بالقدسي، الذي يجلب أيضاً الحرية من عبودية العمل.
الآيات 11-13. يؤدّي الإنسان الثابت في التوحيد بالقدسي الأعمال على مستويات الحواس والعقل والفكر لتنقية الذات. وببقائه في الغبطة في داخل ذاته، يكون غير متورط بالعمل وثماره.
الآيات 14-16. في الواقع، لا يعود تأليف العمل إلى الفاعل. يتم تأدية كلّ الأعمال بقوة الطبيعة. في ظل فترة الجهل، يفترض الفاعل بأنه هو من قام بالعمل ويصبح مقيد بثماره. تجلب المعرفة نور الحقيقة وتبدّد ظلام الجهل.
الآيات 17-21. في ثباته بالمعرفة، ونقائه الكلية، وفي تلك الحالة من الرصانة العميقة، يعيش الإنسان الحرية الأبديّة في الغبطة الدائمة للتوحيد القدسي.
الآيات 22 و23. إنّ بهجة الحواس هي مصادر الحزن؛ الإنسان المتنور لا يبتهج بها. إن القدرة على مقاومة حماس الرغبة والغضب هو معيار الإنسان الموحد.
الآية 24. مسرور في الذات، ومتحرر من الرغبة والغضب، يجد إنسان الحرية الدائمة في الوعي الكوني ويرتفع للسلام الأبدي في وعي الله.
الآيات 25-29. يتضمن مبدأ الزهد العلو ذاته إذا تم تحقيق الكمال البشري كما هو بطريق العمل.
ملخص سريع
في فصل الثاني أنار المولى كريشنا أرْجونا على فهم السانكهيا واليوغا لكي تتضح له الصورة حول الأوجه الفانية والأوجه الخالدة للحياة وبذلك، ينتزع عنه الجهل حول طبيعة الحياة وعلاقتها بحقل العمل، ويدرك طبيعته القدسية الحقيقية في الحرية الأبديّة.
لقد خلقت كلمات إلهام المولى في عقل أرجونا حافزاً لإتّباعها. كشف الفصل الثالث ممارسة الكارما يوغا. والعمل في حالة التوحيد مع القدسي، أو العمل من أجل جعل هذا التوحيد القدسي دائماً، وبالتالي رفع كرامة كل من الفاعل والفعل.
بمواصلة التعاليم في الفصل الرابع، أعطى المولى كريشنا إلى أرْجونا الفهم العميق عن علاقة الذات الفردية مع حقل العمل، يوضح له حالة الافتراق التي تتواجد بشكل طبيعي بين الكينونة الداخلية والمرحلة الخارجية للحياة في النشاط. هذا ما يعطيه البصيرة لحقيقة الحياة والنشاط، وكشفت له بأنّ الكينونة الداخلية هي مستقلة بالكامل عن العمل. وبذلك أدرك أرجونا بأنّ النشاط لا يعود إلى ما هو جوهري في حياة – الكينونة في الحرية الأبديّة.
الفصل الرابع قد دعي "يوغا معرفة الزهد في العمل". إنّ العنوان هو هامّ جداً. يخبرنا بأنّه طبقاً لهذه التعاليم يتم اكتساب اليوغا، أو التوحيد، من خلال معرفة الزهد، ومن خلال معرفة الذات بأنها منفصلة بالكامل عن النشاط. يضع الأسس بأنّ حالة الزهد هي طبيعية على المستويين للحياة الكونية والفردية؛ على مستوى الكوني يبقى الله غير متورط بنشاطات الخليقة والتطور؛ أما على مستوى الحياة الفردية، فتبقى الذات غير متورطة بالنشاط. إن الحالة الطبيعية للزهد هي القاعدة الحقيقية لكلّ الحياة، ومعرفتها بشكل صحيح يجلب الحرية من العبودية. هذه هي التعاليم الأساسية للفصل الرابع.
قد يبدو بأنّ الفصل الرابع كان يتحدّى مذهب الكارما يوغا الذي تم تعليمه في الفصل الثالث. لكن في الحقيقة إنه ليس كذلك لذا. لو أعلن هذا الفصل عن التنوير من خلال الزهد في العمل، لأمكن أن يكون بذلك على نقيض لمبدأ الكارما اليوغا. لكنّه يعلن عن التنوير من خلال معرفة الزهد في العمل. هذا ما يوضح بأنّ مبدأ الزهد هو الذي يتوجب فهمه فقط؛ وليس ممارسته. إنّ حالة الزهد تنتج من خلال الكارما يوغا (الفصل الرابع، 41)؛ لا يوجد هناك طريق لممارسة الزهد. يتم تمجيد معرفة الزهد هنا، وليس ممارسة الزهد.
عندما نصرّح بأنّه لا يجب ممارسة الزهد نحن ندرك لطريقة التنسك في الحياة. لكن الزهد المتنسك هو الزهد للأشياء الخارجية وله علاقة بطريقة معيّن من الحياة فقط؛ فهو ليس بطريق بحد ذاته للوصول إلى الله. إنها ليست ممارسة الزهد ما هو مطلوب، بل إنها معرفة الذهد هي التي تساعد في الطّريق إلى الله.
إنّ معرفة الزهد كما تم شرحها في الفصل الرابع هي ضرورية لأولئك الذين هم على طريق كارما يوغا أيضا لأولئك الذين هم على طريق السانكهيا. يتم اختبار حالة الزهد على كلا الطريقين، وما لم يكون الفكر واضحاً حول أهمية هذا الاختبار، ستبقى الشكوك وستعرقل أي تقدّم.
تبدأ كل من الكارما يوغا والسانكهيا على الأرضية المشتركة للتأمل التجاوزي. هذا يقودنا مباشرة إلى الوعي الذاتي التجاوزي، حيت يتم التخلي عن الحقل الأكثر صفاء للفكر وتقف الذات وحدها في حالتها الصافية للوجود (الآية 2). هذه هي حالة الزهد الكامل، لكنّ يتم الوصول إليها فقط في أثناء التأمل؛ وليس دائماً. خلال الممارسة المنتظمة والمستمرة للتأمل، ومع التناوب مع النشاط - النشاط العقلي على طريق السانكهيا ونشاط المادي على طريق الكارما يوغا - يتطوّر الوعي الذاتي التجاوزي إلى الوعي الكوني، في حين يختبر الفرد الذات بأنها منفصلة عن النشاط ويعيش الحالة الطبيعية للزهد في الحياة اليومية. وتصبح حالة الزهد دائمة. تتطوّر هذه الحالة للوعي الكوني أكثر فيتحلل الافتراق بين الذات والنشاط، الذي قدّم الحالة الكاملة من الزهد، بالوحدة النهائية لوعي الله. تبدو هذه الحالة التي يتحلل فيها هذا الافتراق بأنها خلف نطاق الزهد، لكنّها، في الحقيقة، هي الزهد في كماله المثالي. ولا يبقى شيء الآن ماعدا الحياة الصافية. يظهر الفصل الرابع مبدأ الزهد في كلّ هذه الحالات؛ الوعي التجاوزي والوعي الكوني ووعي الله.
إن المعرفة المعطاة في ذلك الفصل قد أغنت التعليمات حول طرق السانكهيا والكارما يوغا التي تم إعطائها في الفصلين الثاني والثالث. لقد وضع بشكل صامت أسس حالة الزهد كأرضية مشتركة، ومعلم مشترك والهدف المشترك على كلا الطريقين. ويأخذ الفصل الخامس فائدة المعرفة المعطاة في الفصل الرابع، فيضع السانكهيا والكارما يوغا سوية بشكل واضح ، ويقدّمهما على أنهما مفيدان على حد سواء في جلب التحرر الأبدي في وسط كلّ نشاط.
إنه يضع أسس فلسفة اليوغا، أو الإتحاد القدسي، خلال الزهد في العمل. هذه ما قد نتوقّعه مناقضاً لفلسفة اليوغا من خلال العمل، الكارما يوغا. لكن موضوع المولى هو رائع جداً بحيث، بعيدا من العرض لأيّ إحساس بالتناقض مع الكارما يوغا، ينجح الفصل في إعطاء صورة الكارما يوغا وسانكهيا معاً. إنه يضعهما بشكل مجيد، على ذات المستوى للزهد، وبإظهار المبدأين لهاذين الطريقين اللذان ستكونان في تقارب، يستعملهما سوية ليطوّر فلسفة جديدة من اليوغا؛ يوغا الزهد.
إن الزهد بحد ذاته هو بوضوح حالة من الخسارة. وهكذا يوغا الزهد تعني يوغا الخسارة: التوحيد من خلال الخسارة. إنه مجد حديث المولى بأن تصبح الخسارة وسيلة للكمال - يتقدّم الزهد لإنقاذ الحياة وجلب الاكتمال إليها.
من دون فلسفة الزهد، ستبقى فلسفة العمل ناقصة دوماً، لأن الزهد في العمل يكمن في النهاية المعاكسة إلى أداء العمل. كما يتقابل الافتراق مع الإتحاد، كذلك يتقابل الزهد مع يوغا العمل. وما لم يتم أخذ هذه النهايتين؛ الإتحاد والزهد في الحسبان ، ستكون الفلسفة ناقصة.
إن فلسفة الزهد ليست مكمّلة لفلسفة العمل بشكل مجرّد، وليست هي فقط جزء أساسي من تلك الفلسفة. لكن يمكن اعتبارها حقاً بأنها فلسفة العمل الكاملة بحد ذاتها. إنّ فلسفة الزهد هي كاملة جداً بحيث أنها، وببقائها بصرامة ضمن حدود الزهد ومن دون الحاجة لمناقشة حقل العمل مطلقاً، قادرة على تأييد فلسفة العمل. يمكن أن توضّح الفلسفة الكاملة لكارما يوغا من خلال هذه الفلسفة للزهد، لأن قاعدة الكارما يوغا هي الوعي التجاوزي. وبما أن الطريق إلى الوعي التجاوزي هي من خلال انسحاب العقل من الحقل الاختبار الخارجي، لا يهمّ سواء ناقشنا عملية كسب الوعي التجاوزي من ناحية النشاط في الاتجاه إلى التجاوزي أو من ناحية النشاط بعيداً عن حقل الاختبار الخارجي. الناحية الأولى تعبر عن المبدأ من ناحية الكارما يوغا، والناحية الثانية من ناحية الزهد. لكن يجب أن لا يتغاضى الفرد عن الحقيقة بأنّ الزهد لا يقدم أيّ ممارسة. ستوجد الوجهة العملية لفلسفة الزهد في تقنيات السانكهيا والكارما يوغا. لا يؤمن مذهب الزهد ممارسة مستقلة، ولذلك إن الزهد ليس بطريق في حد ذاته – إنه يقدّم نظرية مستندة على ممارسات الطرق الأخرى.
أظهر مبدأ العمل في الفصل الثّالث، ومعرفة الزهد في الفصل الرّابع، يشرح الفصل الخامس التوافق بين هذين الاثنين. والمعجزة هي بأنّها تفعل ذلك من وجهة نظر الزهد، التي هي مجرّدة، وليس من وجهة نظر العمل، التي هي ملموسة. فيما ندمج طرفي العمل والزهد، نحن ندمج الطريقين المختلفين من اليوغا وسانكهيا، وبذلك يعطي التعبير إلى الفلسفة الكاملة للحياة المتكاملة. هاهو النداء إلى كلّ إنسان: تعال من أي طريق كان، والتحرر سيكون لك.
هذا الذي يجعل البهاغافاد غيتا الكتاب المقدّس للإتحاد القدسي. إنه يعلن بسهولة عن كل من يوغا العمل ويوغا الزهد في العمل. هذا هو كمال الحديث من شفاه يوغيشفارا، كريشنا، سيد ممارسي يوغا في كلّ زمن.
يتم تنسيق التناقضات الأكثر تطرفاً ويتم توحيدها في هذا الفصل. إنه يقدّم حالة الحرية الأبديّة في الوعي القدسي على مستوى العمل المستند على الزهد. علاوة على ذلك، يضع أسس الحاجة لكسب الوعي القدسي من أجل النشاط الناجح في الحياة اليومية، وفي ذات الوقت يؤكّد الحاجة للنشاط من أجل كسب الوعي القدسي. وبجلب الانسجام إلى الوجهتين المادية والروحية للحياة، يفتح الطريق إلى النجاح وإلى الخلاص للإنسان، سواء كان رب البيت أو الناسك، وفي أيّ عصر. إنه يمكن أيّ إنسان على تمجيد عالمه بنور القدسي - وأيضا للوصول إلى الحرية القدسية بطريقة طبيعية جداً من خلال النشاط اليومي للحياة.
إن الحكمة التي لا تنضب هي متضمنة في الآيات التسعة والعشرون لهذا الفصل. يقف هذا الفصل كالمشعل، ليس فقط لأولئك البأساء والمربكون، لكن أيضاً للباحثين، وحتى لأولئك الذين تقدّموا جداً على الطريق.
الفصل السادس
نظرة على التعاليم في الفصل السادس
الآية 1. يعكس أداء العمل الصحيح في حالة عدم التعلق، الحياة الخارجية والداخلية للإنسان المدرك.
الآيات 2 إلى 10. إن اختلاف الطريق ليس هامّ طالما يتم اكتساب التوحيد بالقدسي. ما هو مهم هو أن نعرف بأنّ كلّ طريق يبدأ من مستوى النشاط وينتهي في الصمت الأبدي للكينونة المطلقة المطلق، الذي يطوّر إلى وعي الله. تقسم هذه العملية إلى ثلاث مراحل: من حالة اليقظة إلى الوعي التجاوزي، من الوعي التجاوزي إلى الوعي الكوني، من الوعي الكوني إلى وعي الله.
الآيات 11 إلى 28. الممارسة للارتفاع من حالة وعي اليقظة إلى الوعي التجاوزي.
الآية 29. الممارسة للارتفاع من الوعي التجاوزي إلى الوعي الكوني.
الآيات 30 إلى 32. الممارسة للارتفاع من الوعي الكوني إلى وعي الله.
الآيات 33 و 34. كيف يمكن للعقل، المتردّد، أن يكون ثابتاً على الطريق؟
الآيات 35 و 36. من الصعب التحكم بالعقل مباشرة، لكن من خلال الممارسة وعدم التعلق يصبح خاضعاً.
الآيات 37إلى 36. ما هو قدر الإنسان الذي يبدأ بإخلاص على الطريق لكن لا يقدر على الوصول إلى الهدف في هذه الحياة؟
الآيات 40 إلى 45. الموت لا يعيق التطور. في حياته القادمة يواصل الإنسان تطوّره من المستوى الذي اكتسبه في هذه الحياة. إذا يفشل في كسب الكمال في حياة واحدة، فسوف يكسبه في الأخرى؛ ولكن عندما يوضع في هذا الطريق، لن يخطئ أحداً الهدف.
الآيات 46 و 47. يحثّ الباحث وضع نفسه على طريق التأمل التجاوزي، ويكسب توحيد العقل مع الذات القدسي، في الوعي التجاوزي، ويدرك بأنّ الذات هي منفصلة عن النشاط في الوعي الكوني، ويرتفع لله من خلال الولاء والتكريس، ويحقق التوحيد الكامل أخيراً به.
ملخص سريع
يقف هذا الفصل كحجر العقد في قنطرة البهاغافاد غيتا. يوضّح بالتفصيل ما سيكون مسمّى اليوغا الملكي لمولى كريشنا، الذي يجلب التنوير بسهولة إلى كل إنسان في كل عصر.
تكمن عظمة موضوع هذه الفصول الستّة أولاً في تفسير الحياة في أوجهها المنوّعة وبعد ذلك في تركيب كلّ هذه الأوجه في أحادية وعي الله.
إنه الموضوع القدسي الذي يشرح الحقيقة، التي تتخذ المعاني المتجددة باستمرار مع نمو وعي الإنسان. إنه يعطي الأهمية إلى الحياة في كل مستوى من مستويات الوعي ويجلب الاكتمال في كلّ خطوة لتطور الإنسان إلى أن يكسب الاكتمال الأبدي.
يظهر الفصل الأول البطل العظيم الذي شلت قواه من جراء حالة عميقة من التعليق، التي جعلته غير قادر على التصرّف. وبتقديم هذه الحالة القصوى، إنه يطلب بشكل صامت العلاج الشافي لكلّ الآلام والحزن في حياة الإنسان في أي وقت كان.
أعطى فصل الثّاني رؤية الحياة الكاملة بكشف المراحل النسبية والمطلقة للوجود. واقترح الممارسة التي يمكن فيها لكلّ المشاكل في المرحلة النسبية للحياة أن تحلّ بجمع قيمة الوعي المطلق إلى وعي الحالة النسبية.
شرح فصل الثّالث صلاحية العمل في جعل حالة التوحيد دائمة، هذه الحالة التي يتم اختبارها في حالة وعي المطلق المكتسب في الحالة التجاوزية.
جلب فصل الرّابع معرفة حالة عدم التورط، أو الزهد، الذي يتم اختباره عندما تصبح حالة التوحيد دائمة.
يظهر الفصل الخامس هذه حالة من عدم التعلق لتكون مشتركة في طرقي السانكهيا والكارما يوغا.
يصف الفصل السادس الممارسة التي تجلب هذه حالة من عدم التعلق، وبذلك يكمل التعاليم عن العمل وعن الزهد المذكورة في الفصل الثالث والفصل الخامس.
يخدم هذا الفصل السادس كأنه تفسير للآية الخامسة والأربعون من الفصل الثّاني، التي تتضمن التعاليم المركزية للبهاغافاد غيتا: "كن من دون الغونات الثلاثة". إنها تطوّر تقنية بسيطة من التأمل التجاوزي التي تؤدّي إلى حالة من الوعي التي تحافظ في جميع الأوقات على الكينونة تلقائياً وبالتالي على التساوي والرصانة للعقل والسلوك في حقل النشاط. تؤمن هذه التقنية الأساس العملي لكل من السانكهيا واليوغا ولطرق الحياة المختلفة جداً المرتبطة بهذه الطرق، والتي هي للناسك ورب البيت. إنهما يتوقّفان عملياً على أن يكونا طريقان مختلفان. ولكن حتى ولو اعتبرا مختلفان، يظل ممكناً القول بأنهما يتطوّران على أرضية مشتركة ويصلان إلى الهدف المشترك. هذا هو مجد التعاليم العملية للفصل السادس.