 |
|
من يتصفح الآن
|
المتواجدون: 16 من الضيوف 0 من الأعضاء.
مرحبا زائرنا.[التسجيل] |
|
|
المقال المشهور اليوم
|
| لا توجد مقالة ساخنة اليوم. |
|
|
عدد الزوار
|
عدد الزوار 1966468 زائر 1-2008 |
|
|  |
السادهانا ( صلة الإنسان بالكون ) حسام الغصيني
|
اضيفت في Thursday, February 26 من قِبَل mayssa |
|
السادهانا ( صلة الإنسان بالكون ) حسام الغصيني
ولدت حضارة الهند في غاباتها ، فأخذت سمة واضحة من منشئها و ما يحيط به . كانت محوطة بحياة الطبيعة الفسيحة ، مستمدة منها الغذاء و الكساء ، لذلك كانت على صلة وثيقة دائمة بمظاهر الطبيعة المتنوعة . مثل هذه الحياة – كما يمكن أن يقال – تنتهي بالنشاط الإنساني إلى الخمول ، و تضعف دوافع التقدم لأنها تصغر قيم الوجود . و لكنا نجد في الهند القديمة أن حياة الغابات لم تقهر فكر الإنسان ، و لم تضعف تيار نشاطه ، و لكنها وجهته وجهة خاصة . لقد كان على صلة مستمرة بالطبيعة الحية النامية ، لذلك كان فكره حراً من الرغبة في مد حدوده بإقامة الحواجز حول ممتلكاته . لم يكن همه أن يملك بل أن يعرف ، أن يوسع دائرة إدراكه بأن ينمو مع كل ما يحيط به و فيه . لقد أحس أن الحقيقة هي المعرفة الشاملة ، و أنه ليس هناك انفصال في الوجود ، و أن السبيل الوحيد إلى المعرفة هي أن يتخلل وجوده كل الأشياء . كان غرض الحكماء من سكان الغابات في الهند القديمة هو أن يدركوا التناسق الكبير بين روح الإنسان و روح العالم . و لقد أتى زمن في الأيام الأخيرة تحولت فيه هذه الغابات الأولى إلى حقول ممهدة ، و مدن غنية انبثقت من بين جوانبها . فنشأت ممالك قوية ، كان لها صلات بممالك العالم . و لكن الهند في ذروة أيام نجاحها كان قلبها يلتفت في إجلال إلى الأيام الأولى ، أيام الجهد في سبيل إدراك النفس ، إلى الأيام المجيدة للحياة البسيطة في معابد الغابات ، و كانت تستمد أسمى إلهاماتها من الحكمة المخبوءة هناك .
إنه ليخيل إلينا أن الغرب يفتخر بأنه أخضع الطبيعة . كأنما نعيش في عالم غريب عنا ، حيث يجب علينا أن نعتصر كل شيء نريده من قبضة نظام الأشياء القاسية المضنية . هذا الإحساس نتيجة من عادة المعيشة بين الجدران و أثرها في الفكر . لأن حياة المدينة تبعث الإنسان إلى أن يوجه كل تفكيره إلى حياته هو و إلى أعماله . و ذلك بخلق حواجز زائفة بينه و بين طبيعة الكون الذي يثوى في أحضانه . و لكن وجهة نظر الهند مختلفة عن ذلك ، لأنها تعد حياة الإنسان و الكون حقيقة واحدة كبيرة . لقد أيقنت الهند كل اليقين بذلك التناسق الذي بين الإنسان و الكون . و لقد أحست بأننا لا نستطيع أن نتصل بشيء ما إذا كان منفصلاً عنا تمام الإنفصال . إن شكوى الإنسان من الطبيعة هو أنه يريد أن يحصل على كل رغباته بجهوده . نعم و لكن جهوده لا تضيع عبثاً فأنه يجني النجاح كل يوم ، و هذا يدلنا على الصلة المستمرة بينه و بين الطبيعة ، لأننا لا نستطيع أن نجعل من أي شيء ملكاً لنا إلا إذا كان على صلة بنا . نستطيع أن ننظر إلى الطريق بنظرتين مختلفتين : الأولى نعدها فاصلاً بيننا و بين غرضنا الذي نريد ، في هذه الحال نعد كل خطوة نخطوها عليها كأنها شيء حصلنا عليه في وجه العقبات . و الثانية نراها موصلة إلى غرضنا ، فكأنما هي جزء من غايتنا ، و كأنها بدء لوصولنا إليها ، لأننا بسيرنا عليها نستطيع أن ننال الغرض الذي كأنما تقدمه لنا . هذه النظرة الأخيرة هي نظرة الهند للطبيعة . الحقيقة الكبيرة عندها هي أننا في تناسق مع الطبيعة ، أن الإنسان يستطيع أن يفكر لأن أفكاره في تناسق مع الأشياء ، أنه يستطيع أن يستخدم قوى الطبيعة لأغراضه الخاصة لأن قواه في تناسق مع القوى الكونية ، و مهما تمتد به أغراضه فإنه لن يستطيع أن يصادم الأغراض التي تعمل خلال الطبيعة . و لكن الإحساس الشامل في الغرب هو أن الطبيعة لا تشمل إلا الأشياء الجامدة و الحيوانات . كأنما هناك هوة مفاجئة لا تعبر حيث تبدأ الطبيعة الإنسانية ، و بناء على ذلك كان كل شيء منحدر في سلم الوجود للطبيعة ، و كل شيء عليه طابع الكمال – عقلياً أو خلقياً – لطبيعة الإنسان . إن ذلك كتفريق البرعم و الزهرة وردهما إلى نوعين منفصلين ، و وضع ما فيهما من حسن نتيجة لمبدأين مختلفين متعارضين . و لكن الفكر الهندي لم يتردد في إدراك قرابته للطبيعة ، و صلته المستمرة بها . مبدأ وحدة الوجود لدى الهند ليس فكرة فلسفية فحسب ، بل إن غرض الحياة عندها هو إدراك ذلك التناسق العظيم في الإحساس و في العمل إنها بالتأمل و بالعبادة ، و بتنظيم حياتها قد نمت إحساسها حتى صار لكل شيء معنى روحي لديها . الأرض و الماء ، و النور و الهواء ، و الثمار و الأزهار ، ليست لديها أشياء مادية تستعمل ثم تطرح جانباً ، و لكنها ضرورية لديها للوصول إلى فكرة الكمال ، كما أن كل لحن ضروري لاكتمال النشيد . لقد أحست الهند ببصيرتها أن حقيقة هذا العالم الجوهرية لها معنى حيوي بالنسبة لنا ، و أن علينا أن نحيا بكليتنا فيه ، و أن نقرر إدراكنا لاتصالنا به ، لا مدفوعين بحب الاستطلاع العلمي ، و لا بطمع المنافع المادية ، بل بروح التعاطف بالإحساس الشامل بالفرح و السلام . إن رجل العلم يدرك في منحى من مناحي تفكيره أن العالم ليس كما يبدو مجردا لحواسنا . و أن الأرض و ا لماء ليست إلا مظهراً لقوى تتجلى لنا كأرض و ماء . كيف ذلك ؟ لا نستطيع أن نفهم إلا جزئياَ ، و لكن الإنسان الذي وهب نظرة روحية يعرف أن الحقيقة النهائية للأرض و الماء هي في إدراك الإرادة الأبدية التي تعمل خلال الزمان ، و تتشكل بالقوى التي نراها تحت هذه المظاهر . هذا ليس مجرد معرفة ، كما يفعل العلم ، و لكنه تقبل الروح بالروح ، إنه لا يهبنا القوة – كما يفعل العلم – و لكنه يهبنا الفرح الذي هو نتيجة الاتحاد بين الأشياء المتقاربة . إن الرجل الذي لا تستطيع معرفته للكون أن تقوده إلى أعمق مما يفعل العلم لا يستطيع أن يفهم ما يجده الرجل ذو النظرة الروحية في هذه الأشياء المادية ، فالماء لا ينظف جسمه فحسب ، بل يطهر قلبه ، لأنه يلمس روحه .و الأرض لا تمسك جسده عليها فحسب ، بل تجمل فكره ، لأن ملامسته لها ليست ملامسة مادية إذ هي كائن حي . حينما لا يدرك الإنسان قرابته للعالم فإنه يعيش في سجن جدرانه غريبة عنه ، و لكنه حينما يقابل الروح الأبدية في كل الأنحاء فإنه يتحرر ، عندئذ يكتشف كل بهاء العالم الذي ولد فيه . عندئذ يجد نفسه في الحقيقة الكاملة و يقدر تناسقه مع كل الأشياء ، في الهند يبتهج الناس لأنهم منتبهون تماما إلى حقيقة اتصالهم اتصالا وثيقا بكل الأشياء . إنهم يحبون شمس الصباح ، و الماء الفائض ، و الأرض المثمرة ، كأنها تجل لنفس الحقيقة الحية التي تحفظهم بين أحضانها لذلك كان موضوع تأملاتها اليومية هو الجاياتري "Gayatri" و هو شعر يعد أصلا لكل " فيدا " في الهند ، و به نحاول أن ندرك الإتحاد الجوهري لروح الإنسان الشاعرة بالعالم . و أن نعلم كيف ندرك هذه الوحدة التي تضمها الروح الأبدية التي خلقت قوتها الأرض و السماء و النجوم ، و جملت عقولنا بمعرفة لا تزال تحيا و تدوم في اتصال لا ينقطع بالعالم الخارجي . ليس من الصواب أن الهند حاولت أن تتجاهل القيم المختلفة للأشياء المختلفة فذلك يجعل الحياة مستحيلة ، و لم يغب عن فكرها عظمة الإنسان في سلم الوجود، و لكن كان لها فكرتها الخاصة كيف تكون هذه العظمة . إنها ليست في قوة التملك بل في قوة الاتحاد . و لذلك اختارت الهند معابد حجها حيث يوجد في الطبيعة سمة خاصة من العظمة أو الجمال . حتى يستطيع الفكر أن ينفذ من حدود عالم الضرورة الضيق ليدرك مكانه في اللانهاية ، و هذا هو السبب في أن هؤلاء الناس الذين كانوا أكلة لحوم امتنعوا عن أكل لحم الحيوان ، لينموا إحساسهم بالتعاطف الكوني في الحياة . و هذه حادثة عجيبة في تاريخ الإنسانية . لقد عرفت الهند أننا حينما نفصل أنفسنا بعنف عن حياة الطبيعة الفياضة ، حينما نصير إنسانا فحسب لا إنسانا في كون ، فإنما نخلق لأنفسنا مشاكل محيرة ، نحاول حلها بكل الحلول الزائفة التي ينتج كل منها محصوله من المصاعب ، و ذلك لأننا قد أوصدنا باب حلها الطبيعي . حينما يترك الإنسان مكان راحته في طبيعة الكون و يمشي على حبل الإنسانية المفرد فليس أمامه إلا أن يرقص على ذلك الحبل أو يسقط . إن عليه أن يشد كل أعصابه و عضلاته ليحفظ توازنه في كل خطوة ، و في فترات راحته من التعب يجدف ضد الأقدار شاعرا بكبرياء خفية . إذ يظن أنه قد عومل من النظم الكونية معاملة سيئة . و لكن هذا لا يمكن إن يستمر إلى الأبد . فعلى الإنسان أن يدرك كلية وجوده ، و مكانه في اللانهاية . يجب عليه أن يعرف أنه مهما يحاول و يجتهد فلن يستطيع أن يخلق عسله من بين شعاب خليته ، لأن المدد الدائم لغذاء حياته وراء جدرانها . يجب عليه أن يعرف أنه حينما يحجب نفسه عن لمسة الأبدية المحببة المطهرة ، و يعود إلى وجوده ملتمسا منه الغذاء و الدواء ، فإنما يقود نفسه للجنون ، و يمزقها إربا ، و يأكل من لحمه و دمه . حينما يجرد من شعور الكل فإن فقره يفقد أهميته العظيمة التي هي البساطة و يصير قذرا وقحا ، و إن ثروته تصير بلا كرم و لا روح ، بل تصبح جمعا متواصلا ، و إن ملذاته لا تخدم حياته ، و لا تحد بغاياتها ، بل تصير هي غاية لنفسها ، و تشعل النار في ما عداها ، وتلعب على المزمار في وهج الحريق المشتعل ، عندئذ نحاول في التعبير عن نفسنا أن ندهش غيرنا لا أن نجذبه ، و في الفن نحاول الإبداع ، فنفقد النظر إلى الحقيقة القديمة ، و التي هي مع ذلك أبدا جديدة ، و في الأدب نفقد النظرة الكاملة إلى الإنسان الذي هو بسيط ، و عظيم في آن واحد . الإنسان يبدو بدلا من ذلك مشكلة نفسية ، أو مجسما لعاطفة حادة لأنها شاذة ، و لأنها معروضة في وهج نور خادع مضاعف . حينما لا يمتد شعور الإنسان إلا في حدود حاجات نفسه القريبة فإن الجذور العميقة التي في طبيعته لا تجد لها غذاء ، و إن روحه تصير أبدا على حافة الإمحال و الجوع ، و إنه لا يجد قوة العافية فيبحث منها حوله عن المنبهات . إنه يفقد – حينئذ حكمه الباطنية و يقيس نفسه بحجمه لا بالحلقة الحيوية التي تربطه باللانهاية ، ويحكم على أعماله بما فيها من الحركة لا بما فيها من سكون الكمال ، ذلك السكون الذي في السماء ذات النجوم ، وفي النغم الفياض الراقص في الوجود . غزوة الهند القديمة لها مشابه بغزوة الأوربيين لأمريكا . فهم أيضا واجهوا الغابات البدائية ، و صراع القبائل المتوحشة ، و لكن هذا الصراع بين الإنسان و الإنسان و بين الإنسان والطبيعة لم ينته إلى الآن ، ولم يصل إلى السلام . في الهند كانت الغابات مثوى للمتوحشين فصارت معابد للحكماء . أما في أمريكا فلم تكن لهذه الكاتدرائيات الطبيعية الحية قيمة عميقة في نفس الإنسان. لقد وهبته الثروة و القوة ، وكانت في بعض الأحيان مساعدة له على التمتع بالجمال ، أو ملهمة لشاعر معتزل . و لكن لم تكن لها صحبة مقدسة لروح الإنسان حيث تلتقي في رحابها الروحية الفسيحة بروح الكون . أنا لا أود أن أقترح بأن تكون على خلاف ذلك ، فإنه لمن الضياع التام لظروف التاريخ أن تتكرر في كل إقليم على نمط واحد ، و إنه لمن الخير لثروة الروح أن ينتج الناس في الأقاليم المختلفة نتاجا مختلفا يحضرونه لسوق الإنسانية ، وكل واحد ضروري متمم لغيره ، كل ما أريد أن أقوله أن الهند – في مجرى حياتها – قد صادفت مجموعة من الظروف لم تضيعها عبثا . و أنها – تبعا لظرفها – قد فكرت و تأملت ، و جاهدت و تألمت و غاصت في أعماق الوجود ، وحصلت على شيء لا يمكن أن يكون بلا قيمة لمن اتجه تاريخهم في تطوره اتجاها آخر . فالإنسان لكي يكتمل نموه يحتاج إلى كل العناصر الحيوية اللازمة لبناء حياته المعقدة ، و لذلك كان غذاؤه يزرع في أماكن مختلفة و يؤخذ من مصادر متنوعة . الحضارة هي قالب يصنعه الشعب لنفسه ، ليشكل رجاله و نساءه تبعا لمثله الأعلى ، و كل تقاليده و تشريعاته ، و كل قيم الاستحسان و الاستهجان فيه ، و كل تعاليمه الظاهرة و الخفية تتجه إلى هذه الغاية . في الغرب تحاول الحضارة الحديثة بكل قواها المنظمة أن تجعل الإنسان كاملا في استعداده الجسمي و العقلي و الخلقي فهناك يستخدم نشاط الشعوب في مد سيطرة الإنسان على ما حوله ، و هناك تتكاتف قوى الناس ليمتلكوا و يستخدموا كل ما تقع عليه أيديهم ، و ليقهروا العقبات التي تصادفهم في طريق النجاح . إنهم يعلمون أنفسهم دائما أن يقهروا الطبيعة ، و أن يغلبوا غيرهم من الشعوب . و إن معدات الحرب لديهم تتكاثر و تتكاثر كل يوم ، و إن آلاتهم ، و معداتهم و نظمهم ، تزداد إلى درجة هائلة . ذلك بلا ريب نجاح عظيم . إنه لتجل عجيب لسيطرة الإنسان ، التي لا تعرف العقبات ، و التي لا تتخذ غرضا لها غير السيادة الكاملة على غيرها من الأشياء . أما حضارة الهند القديمة فقد كان لها مثل أعلى للكمال وجهت كل جهودها إليه ، لم تتجه إلى نيل القوة ، بل أغفلت أن تستثمر كل ما في طاقتها ، و أن تنظم رجالها للدفاع و الهجوم ، أو للتعاون المشترك في نيل الثروة . أو للسيادة الحربية والسياسية . إن المثل الأعلى في الهند دفع صفوة رجالها إلى حياة التأمل و الاعتزال ، و إن الكنوز التي حصلت عليها للإنسانية باختراقها أسرار الحقيقة قد كلفتها ثمنا غاليا في أجواء النجاح العالمي . و لكن ذلك أيضا نجاح عظيم . إنه لتجل علوي لسمو الإنسان الذي لا يعرف الحدود ، و لا يتخذ له غرضا أقل من إدراك اللانهاية . لقد كان في الهند الفضلاء و الحكماء و الشجعان ، ولقد كان فيها الحكام والملوك و الأباطرة ، و لكن أي نوع من هؤلاء تتجه إليه الهند بنظرها و تتخذه ممثلا لرجالها ؟ إنهم الريشي (Rishis) . من هم الريشي ؟ : ( هم الذين حصلوا على الروح العلوية في المعرفة فامتلؤوا بالحكمة ، و الذين وجدوه متحدا بالروح ، فكانوا في انسجام تام مع النفس الباطنية ، و الذين أدركوه في القلب ، فتحرروا من المطامع ، والذين اختبروه في كل أعمال الكون فامتلؤوا بالسلام . الريشي هم أولئك الذين اتصلوا بالله العلوي في كل الأنحاء فوجدوا السلام الدائم ، و الذين اتحدوا بالكل فتغلغلوا في حياة الكون ) . هذا هو حقيقة شعورنا باتصالنا بالكل ، و تغلغلنا في كل شيء من خلال اتحادنا بالله ، و هي المعتبرة لدى الهند الغاية الأخيرة للكمال الإنساني . الإنسان يستطيع أن يحطم و ينهب ، أن يربح و يجمع ، أن يخترع و يكتشف ، و لكنه عظيم لأن روحه تشعر بالكل . إنه لمن الخراب العظيم له أن تنطوي روحه في قشرة ميتة من العادات الصلبة ، و أن تدوم حوله دوامة العمل العمياء كعاصفة مغبرة موارة تحجبه عن الأفق ، إن ذلك يقتل فيه روح وجوده التي هي روح الإدراك . الإنسان في جوهره ليس عبدا لنفسه و لا للآخرين ، بل هو محب ، حريته و كماله في الحب ، الذي هو اسم آخر للشعور الكامل . و بقوة الشعور هذه التي تتغلغل في كل وجوده يستطيع أن يتحد بالروح الشامل للكل ، التي روحه نفس منها . حينما يحاول الإنسان أن يرتفع إلى القمة بأن يدفع و يحطم غيره من الناس ، ليحصل على امتياز لم ينله أحد ، حتى لتزدهي بذلك نفسه ، فإنه يبتعد عن تلك الروح . لذلك عبرت الأبانيشاد عن الذين نالوا غاية الحياة الإنسانية ، بأنهم متواضعون و بأنهم متحدون بالله ، تعني بذلك أنهم في تناسق كامل مع الإنسان و الطبيعة ، و لذلك فهم في وحدة دائمة بالله . نحن نلمح لمحة من هذه الحقيقة في تعاليم المسيح إذ يقول : ( إنه لأسهل على الجمل أن ينفذ في سم الخياط من أن يدخل غني مملكة السماء ) هذا يشير إلى أن ما نكنزه لأنفسنا يفصلنا عن الآخرين ، إن أملاكنا هي حدودنا ، إن الذي كل همه جمع الثروات لا يستطيع – لتعصب نفسه المستمر – أن يعبر أبواب المعرفة إلى العالم الروحي ، الذي هو عالم التناسق الكامل . إنه مسجون ما بين جدران ثروته الضيقة المحدودة . لذلك كانت روح تعاليم الأبانيشاد هي : إنه لكي تجده يجب أن تضم إليك الكل . إنك في طلب الثروة تعطي كل شيء لتحصل على أشياء قليلة ، و ليس ذلك طريق الوصول إليه ، الذي هو الكمال . بعض الفلاسفة الأوربيين المعاصرين المدينين بطريق مباشر أو غير مباشر للأبانيشاد ، و مع ذلك لا يعترفون بدينهم ، يقررون أن برهما في الهند ليس إلا تجريدا محضا ، إنه سلب لكل ما في الوجود ، أو أن الموجود اللانهائي لا يوجد إلا فيما وراء الطبيعة . ربما كانت تلك العقيدة في بعض فرق الهند المعاصرة ، و لكن ذلك بكل تأكيد مناف لروح الفكرة الهندية الشاملة . بل على الضد من ذلك . إن مصدر إلهاما هو الشعور بالموجود اللانهائي في كل شيء و تقرير ذلك في العمل.
|
| |
|
تقييم المقال
|
المعدل: 5 تصويتات: 1

|
|
|