يا تجسُّدات المحبة ,هناك مجالات كثيرة للمعرفة لكن يوجد معرفة عظمى واحدة فقط . هذه المعرفة العليا هي معرفة الذات , معرفة الذات الخالدة . إنها معرفة حقيقتك الثابتة .نفسك الحقيقية التي لم تولَد أبداً و التي لن تموت أبداً . يوجد عدة أنواع أخرى من المعرفة . هناك المجالات المختلفة من الفن , العلوم , التجارة و التعليم . لكن , هذه ستساعدك فقط لكسب بعض الأهداف و المتع الدنيوية المؤقتة الزائلة . لكي تحقّق الغبطة الأبدية ( النعيم الأبدي ) التي هي طبيعتك الحقيقية يجب أن يكون لديك معرفة الذات . إنها المعرفة الوحيدة التي تمكنك من معرفة السلام الداخلي و الفرح اللانهائي الذي هو عين حقيقتك , هويتك الحقيقية . عندما تُشِعُّ بمعرفة الذات , ستصبح المحبة نفسها . ستصبح نقي , صافي , و غيريّ تماماً ( غير أنانيّ) . و عندها ستكون دائماً بتناغم كامل مع كل الوجود . معرفة معرفة الذات هي معرفة الله معرفة الذات لا تختلف عن معرفة الله . المعرفة المقدّسة لله و المعرفة المقدّسة للذات الخالدة متماثلان وكلاهما واحد . إنهما الحكمة الإلهية الواحدة . عندما تتحقق من الذات الواحدة في كل مكان , ستصبح راسخاً في الوعي التوحيدي . و عندها سترى فقط الوحدانية في كل التّنوّع الذي يحيط بك . و اعتباراً من تلك اللحظة , تتجاوز الوجود الدنيويّ و تنال الخلود الذي كنت تسعى إليه .
ما هو الأساس لهذه المعرفة العليا ؟ الأساس هو نقاء العقل ( صفاء الذهن ) . لتنقي عقلك يجب أن تغمر حياتك بأكملها بالروحانية . اشغل نفسك بالأفعال النبيلة . صاحب الناس ذوو العقل الروحاني . التزم بالتعامل الأخلاقي المثالي في حياتك اليومية . جاهد لكي تقوم بواجبك على أكمل وجه . عِش حياتك في الخدمة المتفانية و الأفعال الفاضلة . و ادرس تعاليم الحكمة في العصور , و ضعها موضع الممارسة اليومية , دع هذه التعاليم تساعدك و لتكن بمثابة مرشدك الخاص . عندها سيصبح عقلك نقيّاً . و بالعقل النقي ستتمكّن من التمييز بين الدائم و المؤقت , وبين ما يعود بالنفع و ما يسبب الضرر لتقدُّمك الروحي . عندها , كل أعمالك اليومية العادية ستصبح مقدسة و ستنهمر عليك الرحمة الإلهية .
الآن , قد تكون ذو معرفة واسعة و تعليم عالٍ في المعرفة الدنيوية , قد تكون متعلّم أو متخصص عظيم أو قد تكون خبيراً ذا شهرةٍ عالميةٍ في عدد من الميادين . و لكن كل ألقابك و إنجازاتك لا تستطيع أن تمنحك الحكمة الحقيقية .لكي تكون حكيماً حقاً و تزيل الأسى من قلبك , يجب أن تعرف من أنت حقيقةً . يجب أن تُدرك ذاتك الخالدة . لا يمكنك تجاوز الحزن و المصاعب بأي طريق آخر . فقط معرفة الذات الحقيقية ستسمح لك بالتغلّب على كل المعاناة و البؤس . هذه هي المعرفة الوحيدة التي تستطيع أن تُغدِق عليك كل السعادة . عندما تبرَع في أحد حقول المعرفة الدنيوية ستكسب احترام أقرانك . قد تصبح مشهوراً و تنجز طموحاتك الدنيوية , و لكن فقط عندما تكتسب معرفة الذات تستحق و تجني الرحمة الإلهية . عندها ستملك متعة الخلاص و تصبح مغبوطاً للأبد ( ستملك الغبطة الأبدية ) . تستمتع بالسعادة المطلقة .
من هم هؤلاء الذين يستحقون تعلُّم هذه المعرفة المقدّسة ؟ إنها ,كما سيتجادل البعض , تُستحَقّ حصراً لكبار السن , أو هل يستحق الطفل أن يتعلمها ؟ يجب أن تُعطى فقط للمطّلعين في الدّين أم هل ستتاح لأولئك الذين لا يملكون أي خلفية دينية سابقة ؟ هل يجب أن تُحفَظ للرجال فقط أم أن النساء مؤهّلاتٍ لذلك على قدم المساواة ؟ في الحقيقة , لاكتساب هذه الحكمة , العِرق , اللون , العمر , الجنس , الجنسيّة , أو الوضع الاجتماعي ليس لها أيّ أهميّة . الحكيم فالميكي في بداية حياته كان قاطع طريق , الحكيم نارادا وُلِد لخادمةٍ بسيطة , و مع ذلك أصبح كلٌّ منهما مناراً روحيّاً عظيماً . كلّ واحد على قدم المساواة مُخَوَّل لاكتساب هذه المعرفة العليا .
الله يأتي لأولئك الذين يملكون التقوى ( الإخلاص و التفاني ) و الحب الشديد له , هو ينظر إلى القلب و ليس إلى الصفة الظاهريّة . طوّر تفانيك . التفاني (التكريس ) مهم جداً لحياة الإنسان
. يقول
الله في الجيتا
" تصبح عزيزاً عليّ عندما تعمل من أجلي بقلبٍ مُحِبّ " .
الإيمان بنفسك و الإيمان بالله عندما أوصاك الله أن تطوّر التقوى و التكريس فهذا لا يعني أنه عليك إهمال واجباتك الدنيوية . جهّز نفسك تماماً لجميع مهامك الدنيوية. تعلّم بعنايةٍ بالغة و بشكل كامل المعرفة الدنيوية ( العلمانية ) التي تحتاجها لتأدية واجباتك . و الأهم من ذلك , الإيمان بنفسك دائماً , الإيمان بأنك قادر على إنجاز الدّور الذي اتَّخَذْتَ من أجله الحياة البشرية . الإيمان بنفسك و الإيمان بالله هو السر الحقيقي للعَظَمَة (النجاح ) . في الحقيقة , هما نفس الشيء , لأن الإيمان بنفسك يعني أن تملك الإيمان بألوهيتك الفطرية .
المعرفة الدنيوية يمكنها أن تعطيك فقط الغذاء و المأوى , في حين أن معرفة الذات تعطيك الكنز الأعظم , إدراك حقيقتك . و برغم ذلك , بدون بعض المعرفة الدنيوية , لن تكون قادراً على إحراز معرفة الأبدية . ينبغي ألا تكون مهملاً في مجال المعرفة الدنيوية . المعرفة الروحية تحتاج لأن تكون متوازنة مع المعرفة الدنيوية . الجميع كانوا يُبَجِّلون الحكيمَين فالميكي و فياسا . لقد كتبا العديد من الكتب المقدّسة , بما فيها تلك الملاحم الخالدة ,
Ramayana و . Mahabharata كانوا منارات روحية عظيمة , و لكنهم كانوا أيضاً ضليعين جداً في المعرفة الدنيوية . و إلاّ كيف كان يمكن لهم أن يكتبوا هذه الأعمال الفريدة العظيمة ؟
كل شيء في العالم يُستَمَدّ من الله . عندما يأتي كل شيء منه , ما الذي يمكنك أن تقدمه له ؟ الشيء الوحيد الذي يمكنك أن تعطيه إياه هو حبك . هذا كل ما يتوقعه منك . و لهذا غنى الشاعر العظيم ,
إلهي الحبيب ...
أنت الحقيقة التي تتخلل الجميع .
إذا كان الكون كله يمتلئ بك ,
كيف لي أن أبني لك معبداً ؟
إذا كنتَ ساطعاً مثل ملايين ملايين الشموس ,
كيف يمكنني أن أقدّم لك ضوء شمعتي الصغيرة ؟
إذا كنتَ الحقيقة الساكنة في كل الكائنات ,
كيف يمكنني أن أناديكَ باسمٍ محدّد ؟
إذا كان الكون كله في معدتك ,
كيف لي أن أقدّم لك قليلاً من الطعام في العبادة ؟
كل ما أستطيع تقديمه لك هو حبي ,
و كل ما آمل أن أفعله هو أن أفرغ نفسي فيك ( أن أذوب فيك) ,
أنت محيط المحبة الإلهية .