 |
|
من يتصفح الآن
|
المتواجدون: 15 من الضيوف 0 من الأعضاء.
مرحبا زائرنا.[التسجيل] |
|
|
المقال المشهور اليوم
|
| لا توجد مقالة ساخنة اليوم. |
|
|
عدد الزوار
|
عدد الزوار 1966478 زائر 1-2008 |
|
|  |
|
اضيفت في Wednesday, April 22 من قِبَل mayssa |
|
السادهانا - معرفة الروح
قد رأينا فيما سبق أن أمل الهند القديمة هو أن تحيا وتتحرك و تفرح في براهما ، في الروح العارفة بالكل ، الشاملة للكل ، و ذلك بأن تمد دائرة شعورها فوق كل العالم . و لكن ذلك – كما يمكن أن يقال – مطلب عسير على الإنسان تحقيقه . فلو أن امتداد هذا الشعور يتجه اتجاها خارجيا لكان بلا نهاية ، إن ذلك يكون كمحاولة عبور المحيط بنزف مائه . و عندئذ حينما نبدأ سعينا لإدراك الكل ننتهي بألا ندرك شيئا . و لكن ذلك – في الحقيقة – ليس عبثا كما يلوح لأول وهلة ، فالإنسان في كل يوم يحل مشاكل اتساع أملاكه و موازنة أعبائه . إن أعباءه كثيرة بل هي أكثر من أن يحتملها ، و لكن يعرف أنه يستطيع تخفيف أثقاله بأن يضع لها نظاما . و حيثما لاحت له معقدة و متنافرة ، فهو يعرف أن ذلك لأنه لم يستطع أن يضع لها النظام الذي لا يغير أي شيء عن مكانه ، و لكن ينزع عنه ثقله . هذا البحث عن النظام هو في حقيقته بحث عن الوحدة ، عن التآلف . إنه محاولة تنظيم المواد الخارجية المعقدة المختلفة الأنواع بنظام باطني ، و في خلال هذا البحث نشعر تدريجيا أننا حين نجد " الواحد" نحصل على " الكل" و ذلك في الحق أعلى ميزاتنا .
إنه مؤسس على قانون " الوحدة " التي تثري فيها قوتنا لو عرفناه ! إن مبدأها إلى هو القوة التي في الحقيقة حقيقة الموحدة التي تضم كل المتعددات . الوقائع كثيرة ، و لكن الحقيقة واحدة . و فكر الحيوان يدرك الوقائع ، و لكن الفكر الإنساني يمتاز بقوته على إدراك الحقيقة : تسقط التفاحة من الشجرة . ينزل المطر على الأرض – تستطيع أن تثقل ذا كرتك بهذه الوقائع ، و لا تنتهي منها و لكنك حينما تعرف قانون الجاذبية تستغني عن تجميع الوقائع بلا نهاية ، لأنك بذلك قد عرفت الحقيقة الواحدة التي تضم وقائع لا عداد لها ، و اكتشاف الحقيقة فرح صاف للإنسان لأنها تحرير الفكرة ، لأن الواقعة المجردة كالدرب المسدود لا تقود إلا إلى نفسها و ليس لها ما وراءها . و لكن الحقيقة تفتح لنا كل الأفق ، و تقودنا إلى اللانهاية . لذلك لم تقف الحقيقة البسيطة العامة التي اكتشفها دارون في علم الحياة عند ذلك ، بل ألقت النور كالمصباح فيما وراء غايتها التي أنيرت لها ، وعلت عن غرضها الأساسي ، و أنارت جميع أقطار الحياة الإنسانية و الفكر الإنساني . لذلك نجد أن الحقيقة – مع أنها تضم فيها الوقائع – ليست جمعا للوقائع فحسب ، و لكنها تعلو عنها من كل جانب ، و تشير إلى حقيقة اللانهاية. و تشير إلى حقيقة اللانهاية. مثل ذلك الذي في ميدان العلم في ميدان الشعور . عليه أن يدرك تماما الحقيقة العميقة التي في نفسه ، و التي تعطيه تقدير الأوسع ما يمكن أن يرى ، و هذا هو الغرض الذي أرادته الأبانيشاد بقولها "اعرف روحك" أو بعبارة أخرى : أدرك مبدأ الوحدة العظيم الذي في كل إنسان . كل دفعات تعصبنا ، و كل أطماع نفوسنا ، تحجب عنا النظرة إلى الروح لأنها تدور على نفسنا الضعيفة ! و حينما نعرف روحنا فإنا نشعر بالكائن الباطني الذي يعلو عن نفوسنا ، و يتحد اتحادا عميقا بالكل . الأطفال حينما يبدؤون في تعلم الحروف الهجائية منفصلة لا يجدون لذة فيها ، لأنهم لا يجدون الغرض الحقيقي من الدرس . و ما دامت هذه الحروف وحدها هي التي تسترعي انتباهنا فإنها تسئمنا ، و لكنها تكون منبع فرح لنا إذا اجتمعت في كلمات و جمل و نقلت إلينا فكرة . كذلك روحنا حينما نفصلها و نسجنها في حدود النفس الضيقة تفقد بهاءها لأن جوهرها العميق هو الوحدة ، إنها تستطيع أن تجد جوهرها باتحادها بالآخرين و في ذلك فرحها . الإنسان يتعب ، و يعيش في حال من الفزع ما دام لم يكتشف قانون الوحدة الطبيعية ، و العالم – إلى هذا الحين – يظل غريبا عنه ، هذا القانون الذي يكتشفه ليس إلا إدراك التناسق الشامل الذي بين العقل – الذي هو روح الإنسان – و بين أعمال الوجود . و هذا هو قانون الوحدة الذي به يرتبط الإنسان بالعالم الذي يعيش فيه ، و إنه ليشعر بفرح فياض إذ يكتشفه ، لأنه يدرك بذلك نفسه فيما يحيط به . لأن فهم الشيء ، معناه أن نجد فيه شيئا منا . و هذا الاكتشاف لأنفسنا فيما يحيط بنا هو ما يجعلنا فرحين . صلة الفهم هذه جزئية ، و لكن صلة الحب كاملة . في الحب يمحى شعور الاختلاف و تتم روح الإنسان غايتها في الكمال ، و تعلو عن حدودها ، و تصل إلى عتبة الأبدية . لذلك كان الحب أسمى نعمة يستطيع الإنسان أن ينالها . ففيه وحده يدرك أنه أسمى مما هو عليه ، و أنه متحد بالكل . إن مبدأ الوحدة هذا الذي في روح الإنسان ما يزال يعمل ، و يمد الروابط بعيدة رحيبة خلال الأدب و الفن و العلم و الاجتماع و الحكومة و الدين . و إن مكتشفينا الكبار هم الذين تجلى فيهم المعنى الحقيق للروح إذ وهبوا أنفسهم حبا للإنسانية . لقد واجهوا الاضطهاد و الأكاذيب ، و الفقر و الموت في سبيل الحب . لقد عاشوا حياة الروح لا حياة النفس ، و لقد أكدوا لنا الغاية الأخيرة من الإنسانية : إنا نسميهم " المهاتما Mahatamas " الرجال ذوو الأرواح الكبيرة إنا نسميهم " المهاتما Mahatamas " الرجال ذوو الأرواح الكبيرة قيل في الأبانيشاد : " إنك لا تحب ابنك لأنك ترغبه ، و لكنك تحبه لأنك تحب روحك " معنى هذا أننا نجد فيمن نحبه شيئا من روحنا في أسمى معانيها . إن الحقيقة الأخيرة للوجود في ذلك : " باراماتما Paramatma " الروح العلوية هي في أنا ، كما أنها هي في ابني – و في فرحي بابني أدرك هذه الحقيقة . لقد صار من الحوادث الشائعة – العجيبة إذا تأملناها – أن أحزان أحبتنا و أفراحهم هي أحزان و أفراح لنا – بل هي أكثر من ذلك . لم كان هذا ؟ لأن نمونا يزداد اتساعا فيهم ، و فيهم نلمس الحقيقة الكبيرة التي تضم كل العالم . غالبا ما يحدث أن حبنا لأطفالنا أو أصدقائنا أو أحبتنا يمنعنا عن إدراك ما بعده من روحنا – إنه يوسع دائرة شعورنا – بلا ريب – و لكنه يضع الحدود أيضا لامتداد هذا الشعور إلى أقصى مداه . لا بأس . فتلك هي الخطوة الأولى ، و كل العجب في الخطوة الأولى ، لأنها ترينا طبيعة روحنا على حقيقتها . منها نعلم علم اليقين أن أعلى فرح لنا هو في أن نفقد تعصبنا لنفوسنا و نمتزج بالآخرين . إن هذا الحب يهبنا قوة و بصيرة جديدة و جمالا في الفكر إلى آخر الحدود التي نحده بها – فإذا فقدت هذه الحدود مرونتها و حاربت روح الحب نفسه فإن صداقاتنا تصير ضيقة ، و إن عائلاتنا أنانية بخيلة ، و أوطاننا معتدية مهددة لغيرها من الشعوب . إن ذلك كأن تضع نورا ملتهبا في داخل إناء مختوم بالشمع . إن النور يضيء و يلمع حتى تتكاثف الغازات السامة و تخنق اللهيب . و لكنه قد أثبت حقيقته قبل أن يموت ، و أرانا فرح الحرية و هو في قبضة الظلمة الخاوية الباردة العمياء . إن السبيل إلى المعرفة الكونية ، و إلى المعرفة بالله – كما تقول الأبانيشادز هو معرفة الروح .. إن رؤية "الروح" منفصلة عن " النفس " هي أول خطوة في سبيل الخلاص العلوي . يجب أن نوقن تمام اليقين أننا في جوهرنا روح ، و ذلك بأن نسيطر سيطرة تامة على أنفسنا ، بأن نرتفع فوق كل طمع و خوف و كبرياء . بأن نعرف أن الخسائر الدنيوية ، و الموت الجسمي لن ينقص شيئا من حقيقتنا و عظمة روحنا . الفرخ يعرف حين يحطم حاجز البيضة المحيط به أن القشرة الصلبة المحيطة ليست جزءا من حياته ، و أنها شيء ميت لا نمو له ، و لا يهبه لمحة واحدة لما وراءه من الأقطار الرحيبة . و مهما تكن هذه القشرة كاملة مستديرة فإن عليه أن يحطمها ، و أن ينفذ من خلالها ، فينال حرية النور و الهواء ، ويكمل غاياته من حياة الطير . في السنسكريتية يسمى الطائر بأنه قد ولد مرتين . و بذلك يدعى من عاش خلال تعاليم ضبط النفس ، و سمو الفكر ، فبلغ الثانية عشرة من عمره ، و هو بسيط في رغباته ، طاهر في قلبه ، مستعد لتحمل مسؤوليات الحياة بروح رحيبة صافية ، إنه يعتبر في الهند بأنه قد ولد ثانية من غشاء النفس إلى حرية حياة الروح ، و أنه لذلك ذو صلة حية بما حوله ، و أنه قد صار متحدا بالكل . لقد حذرت سامعي و لا أزال ، من الفكرة القائلة بأن معلمي الهند قد حثوا على زهد العالم و النفس الذي يقود إلى فراغ السلبية المظلم ، فإن غرضهم هو إدراك الروح ، أو بعبارة أخرى ، إدراك العالم في حقيقته الكاملة . و حين قال المسيح : " المتواضعون مباركون ، لأنهم يرثون الأرض " كان يعني هذا ، كان يعلن هذه الحقيقة ، و هي أن الإنسان إذ ينزع عنه كبرياء النفس فإنه ينال إرثه الحقيقي . ليس عليه بعد ذلك أن يحافظ في سبيل مركزه في الحياة ، فهو له بالحق الأبدي الذي في روحه . إن كبرياء النفس تتعارض مع وظيفة الروح – التي هي إدراك ذاتها كاملة باتحادها مع الكون و مع إله الكون . قال بوذا في عظته لساذو سمها : إنه من الحق يا سمها أني أحث على الزهد في العمل – في العمل الذي يقود إلى الشر سواء في الكلام أو الفكر أو الأعمال . من الحق يا سمها أني أعظ بالاعتزال – باعتزال الكبر ، و الشهوة و الأفكار الشريرة و الجهل ، لا باعتزال المغفرة و الحب ، و الكرم و الحق . إن قانون الخلاص الذي وصى به بوذا هو في الخلاص من أفديا "Avidya" أفديا هو الجهل الذي يغشى معرفتنا ، و يميل إلى سجنها في حدود أنفسنا ، هذه الأفديا ، هذا الجهل ، هذا الحد من المعرفة هو الذي يخلق حاجز العصبية الصلب ، و هو الذي ينبع منه كل ما بنا من كبر و طمع و قسوة في سبيل غايات النفس . حينما ينام الإنسان يكون محجوزا داخل أعمال حياته الجسمية . إنه يحيا ، و لكنه لا يعرف صلات حياته العديدة بما حولها ، لذلك فهو لا يعرف نفسه . كذلك من يحيا حياة ، "أفيديا" فإنه مسجون داخل نفسه ، إنه في نوم روحي ، إن روحه ليست في انتباه تام للحقيقة الكبيرة التي حوله ، لذلك فهو لا يعرف روحه ، و حينما يصل إلى درجة "بودهي Bodhi " ، إلى اليقظة من نوم النفس ، و يصل إلى كمال المعرفة يصير بوذا . قابلت مرة ناسكين من فرقة دينية في إحدى قرى البنغال ، فقلت لهما : " هل تستطيعان إخباري عن سمات دينكما التي تميزه ؟ " فتردد أحدهما لحظة ثم أجاب : " من الصعب تحديد ذلك " أما الآخر فقال ذلك يسير جدا – علينا أولا أن نعرف روحنا تحت إرشاد معلمنا الروحي ، عندئذ نستطيع أن نجده – أن نجد الروح العلوي الذي فينا " فقلت له : لماذا لا تبشران بمبدأكما هذا في كل أنحاء العالم ؟ " فأجاب : " إن من يشعر بالظمأ سيأتي وحده إلى النهر " . – فقلت له : " و لكن أتحس ذلك ؟ أتراهم قادمين ؟ " فأجاب في ابتسامة لا ظل فيها من القلق أو الضجر : " إنهم لا بد أن يأتوا ، فرادى و جماعات " ، نعم . إنه لعلى حق ذلك الراهب من مراعي البنغال . الإنسان يسعى إلى غايات أكبر لديه من الغذاء و الكساء – إنه يسعى إلى اكتشاف نفسه الخالدة – إلى اكتشاف روحه . من خلال قيام الإمبراطوريات و سقوطها ، من خلال جمع أعمدة الثروة الضخمة ، و بعثرتها بعد ذلك بلا ندم على التراب ، من خلال خلقه لأقانيم مجسمة يشكل فيها أحلامه و إلهاماته ، ثم طرحه لها بعيدا كأنها ألاعيب خيال متعب ، من خلال صياغته للمفاتيح السحرية التي يحاول أن يفتح بها أسرار الخليقة ، ثم رميه لما تعب فيه عصورا طويلة ليعود إلى مصنعه ، و ليخترع من جديد شكلا آخر جديدا ، نعم – الإنسان خلال ذلك كله يسير من جيل إلى جيل نحو الإدراك الكامل لروحه – للروح التي هي أعظم مما يجمعه من الأشياء ، و مما يتممه من الأعمال ، و مما يبنيه من الأفكار ، الروح التي لا يعوق سيرها إلى الأمام موت أو فناء . الروح التي لا يعوق سيرها إلى الأمام موت أو فناء . إن إخفاقه و أخطاءه لم تكن تافهة أو قليلة بل ملأت سبيله بالأنقاض ، و إن آلامه كانت هائلة كآلام الولادة لطفل جبار ، و لكنها مقدمة كماله الذي يطل على اللانهاية ، الإنسان قد احتمل – و لا يزال يحتمل – التضحية في شتى صورها ، و إن قوانينه هي المذابح التي بناها ليحضر إليها كل يوم قرابينه ، هائلة في كميتها ، عجيبة في نوعها . كل ذلك يكون عبثا لا معنى له و لا يحتمل إذا لم يكن يحس في نفسه فرح الروح العميق – الذي يجرب قوته الإلهية بالألم ، و يبرهن على ثروته التي لا تنفد بالزهد . نعم . إنهم قادمون – إن الحجاج قادمون – فرادى و جماعات إلى ميراثهم الحقيقي للعالم . إنهم يوسعون معرفتهم دائما ، و ينشدون دائما اتحادا أعلى و أعلى – و يقتربون دائما من الحقيقة الواحدة الباطنية التي هي الإدراك للكل . إن فقر الإنسان مروع ، و مطالبه لا تنتهي حتى يعرف روحه ، و العالم قبل ذلك الحين لديه مزيج مضطرب و وهم موجود و غير موجود . أما الإنسان الذي اكتشف روحه فإن للعالم عنده حقيقة يقينية يجد كل شيء بجانبها مركزه الحقيقي ، و منها يستمد و يتمتع بنعمة الحياة المتناسقة . لقد أتى حين على الأرض كانت فيه كتلة من السديم ، قد تناثرت ذراتها خلال مساحة فسيحة من الحرارة و الحركة ، فلم تكن قد عرفت صورتها المحدودة ، و لم يكن بها جمال ، و لا لها غاية ، و لكن كل ما فيها حركة و حرارة ، و على التدريج أخذ ما بها من أبخرة يتركز في كل دائري واحد بواسطة القوة التي فيها ، و التي تأتي بكل العناصر المتنازعة تحت سيطرة المحور ، و عندئذ أخذت مكانها الحقيقي بين كواكب المجموعة الشمسية كواسطة عقد من الماس . كذلك روحنا – عندما تسوقها الحركة و الحرارة المنبعثة من غرائزنا العمياء و عواطفنا إلى كل الجهات ، فإنا لا نستطيع أن نأخذ و لا أن نعطي شيئا بصدق – و لكن حينما نجد محور روحنا بالقوة التي توحد كل العناصر المتنازعة ، و تضم كل العناصر المتفرقة ، عندئذ تتحول كل خواطرنا المفككة إلى حكمة ، و تجد كل خلجات قلوبنا العابرة كمالها في الحب – عندئذ تتجلى في دقائق حياتنا الصغيرة غايات الأبدية ، و تتحد أعمالنا و أفكارنا بلا انقطاع في تناسق باطني . تقول الأبانيشاد بيقين تام : " اعرف أنك واحد ، أنك روح ، فذلك هو السبيل الذي يقودك إلى الموجود الأبدي " . هذه هي غاية غايات الإنسان – أن يجد " الواحد " الذي فيه ، الذي هو حقيقته ، الذي هو روحه ، ذلك هو المفتاح الذي به يفتح باب الحياة الروحية و مملكة السماء . إن رغباته لكثيرة ، و إنه ليسعى بجنون وراء غايات في العالم متعددة ، إذ أن هناك حياتها و نموها ، و لكن الواحد الذي فيه يحن أبدا إلى الاتحاد ، الاتحاد في المعرفة ، الاتحاد في الحب الاتحاد في غايات الإرادة ، و إن أعلى فرح لديه أن يصل إلى "الواحد" الأبدي في الاتحاد الأبدي . لذلك تقول الأبانيشادز : " أولئك الذين صفت أفكارهم – لا غير – هم الذين ينالون الفرح الدائم ، لأنهم يدركون في أعماق أرواحهم " الموجود " الذي يتجلى جوهره في عديد الأشكال و الصور" . الذي يتجلى جوهره في عديد الأشكال و الصور" . من وراء كل متناقضات العالم يخط الواحد الذي فينا سبيله إلى الواحد الذي الكل ، هذي طبيعته و هذا فرحه ، و لكنه في هذه السبيل البعيدة لا يستطيع الوصول إلى غايته ما لم يكن له نور منه ، يهديه في لمحة إلى ما يريد . إن رؤية الواحد العلوي في أعماق روحنا لا يكون إلا بالبصيرة المباشرة ، لا بالمرانة ، و لا بالتعليم . العين ترى ما تريد ككل ، لا بتحليله إلى أجزاء ، بل بضم الأجزاء كلها في وحدة ، مع نفوسنا . كذلك بصيرة الشعور الروحي فينا ندرك بطبيعتها و بكليتها وحدتها مع الواحد العلوي . تقول الأبانيشاد : " الإله الذي تتجلى نفسه في أعمال الكون ، يثوى في قلب الإنسان روحا علويا ، و الذين يدركونه ببديهة القلب القريبة هم الذين ينالون الخلود " . " إنه فسفا كراما Vishvakrama " الذي يتجلى ظاهره في الطبيعة صورا متعددة متزاحمة ، و تتجلى وحدته في روح الإنسان . لذلك كان سعينا وراء الحقيقة في العالم الخارجي بطريق التحليل ، و تدرج الأساليب العلمية ، و لكن إدراكنا للحقيقة في الروح مباشر ، بالبصيرة الملهمة . لن نستطيع أن نعرف الروح العلوي بزيادة المعرفة المتتابعة تحصل جزءا فجزءا و لو استمر ذلك إلى ما لا نهاية . لأنه واحد بلا أجزاء ، بل نستطيع أن نعرفه كقلب لقلبنا ، و كروح لروحنا . نستطيع أن نعرفه بالحب و بالفرح إذ نهب أنفسنا ، فنقف أمامه وجها لوجه . إن أحر صلاة و أعمقها صعدت من القلب الإنساني ، و نطق بها لسان القدماء هي : " أيها الواحد المتجلي بنفسه ، تجل في " . إننا في تعاسة لأننا مخلوقات النفس – النفس الضيقة العنيدة ، التي لا تعكس النور ، و التي تعمى عن اللانهاية . إن نفسنا عالية بضجيجها المضطرب . إنها ليست القيثار المنغم الذي تنبض أوتاره بموسيقا الأبد . كل ما في قلوبنا الضحلة هو تنهدات القلق ، و تعب الفشل ، و أحزان بطيئة من الماضي ، و مخاوف عن المستقبل و ذلك لأننا لم نجد بعد روحنا ، لأن الروح المتجلية في النفوس لم تتجل فينا . عندئذ ينبعث دعاؤنا " أيها الواحد الرهيب ، نجني بابتسامة حنانك الآن و إلى الأبد " . إنه لغشاء موت خانق هذا الكبر في النفس . و الطمع الذي لا يشبع ، و كبرياء السيطرة ، و تفرد القلب الوقح . " رودرا ، أيها الواحد الرهيب . شق غشاء هذه الظلمات نصفين ، و ابعث الشعاع المنجي من ابتسامة حنانك ، و ينفذ خلال هذا الظلام الكئيب ، و أيقظ روحي . قدني من الباطل إلى الحق ، و من الظلمات إلى النور ، و من الموت إلى الخلود . و لكن كيف نأمل أن تجاب صلاتنا ؟ لأن اللانهاية هي المسافة التي بين الحق و الباطل ، و بين الموت و الخلود . و مع ذلك فإن هذا الغور الهائل يعبر في لحظة عندما يتجلى " الواحد المتجلي بنفسه " في روحنا . عندئذ تحدث المعجزة . لأن هناك ( في الروح ) مكان التقاء النهاية باللانهاية " أبتاه – أزل عني تماما جميع خطاياي " لأن الإنسان في الخطيئة يحارب في جانب النهاية ضد اللانهاية التي فيه . إن الخطيئة هي هزيمة النفس للروح . إنها الفشل في لعبة يضحي فيها المرء بكله ليربح جزءا . الخطيئة هي كلف الحقيقة الذي يحجب صفاء معرفتنا . فبها نجري وراء ملذات ليس مرغوبة في حد ذاتها ، و لكنها – في وهج عاطفتنا المشتعل – تبدو لنا مرغوبة . و نشتاق إلى أشياء ليست عظيمة في حد ذاتها ، و لكن طمعنا فيها يبالغ في قيمتها و يبديها لنا عظيمة . هذه المبالغات ، هذا الزيف في فهم حقيقة الأشياء يحطم تناسق الحياة في كل خطوة ، لأننا نفقد مقياس القيم الحقيقي للأشياء ، و نضل برغبات خادعة إلى ملذات في الحياة متنوعة تقود الواحدة منها إلى الأخرى . إن فشله في ضم عناصر طبيعته إلى وحدة تحت سيطرة الواحد العلوي هو الذي يشعر الإنسان بآلام انفصاله عن الله ، و يبعث منه تلك الصلاة الحارة : "يا إلهي ، يا أبتاه . أزل عني تماما كل خطاياي ، أعطني كل ما هو خير " الخير هو الغذاء اليومي لروحنا ، الملذات تحصرنا في نفوسنا ، و الخير يحررنا ، و يجعلنا لكل العالم . الطفل كالجنين في رحم أمه يحفظ كيانه إذ تتحد حياته بالحياة الكبيرة لأمه ، كذلك روحنا تجد غذاءها في الخير الذي به تدرك قرابتها الباطنية ، و تتصل بمنفذ إلى اللانهاية التي تحيط بها و تغذيها . لذلك قيل : " مباركون الذين يجوعون و يظمئون للحق ، لأنهم سيشبعون " لأن الحق هو الغذاء الإلهي لروحنا ، و لا شيء سواه يشبعنا ، و يجعلها تحيا حياة اللانهاية ، و يساعدها على النمو نحو الأبد . " إننا ننحني إليك يا من يأتي منه خير الروح ، إننا ننحني إليك يا من هو الخير – الخير العلوي " هو الذي تتصل فيه بكل شيء في التناسق و السلام ، في الخير و الحب . إن شوق الإنسان لأن يكتمل تعبيره ، و إن رغبة التعبير عن النفس هي التي تسوقه إلى طلب الثروة و القوة ، و لكن عليه أن يعترف أن الجمع لا يهب إدراكا . إن الإدراك هو النور الباطني الذي يتجلى به ، لا الأشياء الخارجية . و عندما ينير هذا النور يعرف في لحظة أن أعظم تجل للإنسان هو تجلي الله فيه ، و إن شوقه هو إلى هذا ، إلى تجلي روحه له – الذي هو تجلي الله في روحه . الإنسان يصير كاملا ، و يبلغ اكتمال التعبير حينما تدرك روحه ذاتها في الموجود اللانهائي الذي هو " افه Avih " الذي جوهره كمال التعبير . إن تعاسة الإنسان الحقيقية هي أنه لم يتضح بعد ، و أنه محجوب في نفسه ، ضائع ما بين رغباته ، فلا يستطيع أن يدرك نفسه منفصلا عما حوله ، و لذلك فنفسه الكبرى مهدمة ، وحقيقته محجوبة ، عندئذ تنبعث من كل وجوده هذه الصلاة : أنت يا روح التجلي ، تجل بنفسك فيّ . هذا الحنين إلى التعبير الكامل عن النفس أعمق إرثا في الإنسان من الجوع و الظمأ في سبيل كونه كيانه ، و من شهوة الثروة و الجاه . هذه الصلاة ليست منه وحده ، بل هي من أعماق كل الأشياء . أيها الحنين الدائم فيه إلى " افه Avih " إلى روح التجلي الأبدي و تجلي اللانهاية في النهاية ، الذي هو دافع كل الخليقة لا يرى في السموات ذات النجوم ، و لا في جمال الأزهار كما يرى في روح الإنسان . لأنه فيها يتجلى في الإرادة ، وعندئذ تنال حريته جائزتها الأخيرة في حرية التسليم . نفس الإنسان هي الوحيدة التي لم يظلها ملك الكون العظيم بظل عرشه و تركها حرة . إنه – في نظامه الجسمي و العقلي حيث يتصل الإنسان بالطبيعة – يعرف قانون هذا الملك – و لكنه في نفسه يستطيع أن ينكره ، و على الله هناك ينفذ ، هناك يأتي كضيف لا كملك ، و عليه أن ينتظر حتى يؤذن له بالدخول ، إن نفس الإنسان وحدها هي التي أعفاها الله من أوامره ، و أتى ينشد منا الحب . إن قوته المسلحة – قانون الكون – يقف خارج أبوابها ، و لكن الجمال – رسول الحب – هو الذي يؤذن له بالدخول في معبدها .........و لكن الجمال – رسول الحب – هو الذي يؤذن له بالدخول في معبدها . في أقطار الإرادة وحدها لا يسمح بالسيطرة ، و في النفس الإنسانية وحدها يوجد مزيج الباطل و الظلم ، هناك تصل الحال إلى درجة من الألم تصرخ فيها :" مثل هذا التمرد لا يمكن أن يعم العالم و فيه إله " و في الحق أن الله وقف أمام النفس ، لا ينتهي أمد انتظاره و صبره ، و لا يحاول بقوته أن يقتحم الأبواب إذا أغلقت أمامه ، لأن نفسنا لا تصل إلى غاية معناها – التي هي الروح – مرغمة تحت قوة الله ، بل بالحب ، بل متحدة – وهي حرة – بالله . و الرجل الذي اتحدت روحه بالله يقف أمام الإنسان كأسمى زهرة للإنسانية ، عندئذ يعرف في الحقيقة ماهيته ، و تتجلى له " أفه " في روح الإنسان بتجلي الله الكامل فيه – هناك نرى اتحادا إرادتنا بالإرادة العلوية و حبنا بالحب الأبدي . لذلك ينال المحب لله في قطرنا رعاية من الرجال ربما عدها الغرب منافية للدين ، فنحن نرى فيه إرادة الله قد اكتملت ، والعوائق الشديدة التي تعارض تجليه قد أزيلت ، و فرح الله الأكمل قد تم ازدهاره في الإنسانية . نجد فيه العالم الإنساني و قد غشته رعاية ربانية ، إن حياته – و قد اشتعلت تحت الله – تجعل حبنا الأرضي مجاوبا لها ، فلذلك تتجمع كل مرافق حياتنا الاجتماعية ، و كل تجارب لذاتنا و آلامنا حول معرض هذا الحب الإلهي و تخلق منه دراما نحن النظارة فيها . عندئذ نرى لمسة سر اللانهاية يعبر فوق كل الأشياء الصغيرة المعهودة ، ويبعث منها موسيقى لا يمكن وصفها . الأشجار و النجوم والتلال الزرقاء تبدو لنا مثقلة بمعنى لا يمكن التعبير عنه ، إنه ليخيل إلينا أنا نشاهد الله في كل عمل من أعمال الخلق لهذا العالم الجديد ، حين تطرح النفس ستارها جانبا ، حينما ترفع نقابها و تقف وجها لوجه أمام محبها الخالد . ولكن أي شيء هذه الحال ؟ إنها أشبه بصباح الربيع ، واحد و لكنه متنوع الحياة و الجمال – عندما تحجب النفس عن الضلالات فإنها تجد وحدتها بالروح ، عندئذ يأتي الشعور باللانهاية طبيعيا مباشرا كالنور من اللهيب . كل آلام الحياة و متناقضاتها تنتظم ، و المعرفة و الحب و العمل جميعا تتناسق ، و اللذة و الألم يتحدان في سبيل الجمال ، و التمتع و الزهو يتساويان في سبيل الخير ، و الفجوة بين النهاية و اللانهاية تمتلئ بالحب و تفيض ، و كل لحظة تحمل رسالتها من الأبد ، وغير المحدود يبدو لنا في أشكال الزهور و الثمار ، و اللانهائي يحملنا بين ذراعيه كالأب ، و يسايرنا كالصديق . إنها الروح ( الواحد ) الذي في الإنسان هي التي تستطيع بطبعها أن تتغلب على الحدود ، و ترافق الواحد الأعلى . و ما دمنا لم ننل ذلك التناسق الأبدي و تلك الكلية في وجودنا ، فإن حياتنا تبقى حياة العادات . و العالم يبدو لنا آلة ، نسيطر عليها لفائدتنا ، و نتحصن ضد أخطارها ، و لا نعرف أبدا أن نصاحبها كرفيق ، لا في مظهرها المادي ، و لا في مظهرها الروحي بما فيه من حياة و جمال . إعداد : حسام الغصيني
|
| |
|
تقييم المقال
|
المعدل: 4.66 تصويتات: 3

|
|
|