النبي أيوب:
... وقالت المباركة لأيوب: ماذا بقي لك في بلواك هذه من لحم على جسد، ومن عم في قوام، ومن جلد يتراءى لي في القرب والبعد، وكأنه بقايا من ظلال الصمت وبقية باقية من رماد السكون، في ثورة النار الحسية وفوران مادتها وحركيتها خارج الذات يا أيوب:
أجابها صاحب البلوى وصاحب التجربة، وصاحب الاجتباء عبرهما: كلي وقري عينا ما طاب لك من جسدي الزائل هذا يا رفيقة كهفي ونسكي وتعبدي، ومحض توحدي وتوحيدي في ذروة الانعتاق من وهج التراب، وفي روعة الانخطاف الروحي في وهج التوحيد: فيا أيتها المباركة: لقد بقي لي النار الموقدة في الأفئدة؛ ولدت فينا على الفعل مولانا وهادينا، وبقي لك الحرير البراق في مادة تحول وتزول، وتفنى وتتحول؛ تدخل وتخرج من سجن إلى سجن للروح فيك فحذار الانزلاق إلى درك الشهوات، والتعلق بالأرض. فالثمر والانعتاق هو البغية والمراد. فليست الروح من هذا العالم، وليست النفس من معدنه: إنها من معدن الهي أسمى وأرفع وأقدس، وتجربة أيوب عليه السلام تؤكد حقيقة توحيد ما تاقت إليه نفسه وتشوقت، والصراطية المستقيمة، في ذاته، في مخرج تطهره ونقائه، وصفاء روحه، وأحقية الاجتباء فيه وبه؛ ومعنى الاختيار ورهبة الامتحان في الذات وبها، شكلت، كلها، في الحالين والسفحين والمنورين: حال الصبر في أيوب؛ فكان صابرا وصبورا واستمرارا هذه الحال في رياضها، وعبق عبيرها، ونفح الطيب في شذاها، في حلها وترحالها، على دروب التوحيد ومسالك الحق في حنايا الذات وتشوفات النفس في محض تواصلها وكشفها وحقيقة النور فيها، النور الإلهي الأزلي فيها من قبل ومن بعد: هنا بلغت الرؤيا بأيوب مفاتيح الملأ الأعلى وخزائن الرحمة والبركة والصدق، ونعم العطاء المقدس بلا حساب؛ فكان أيوب "الجد والفتح والخيال" شهداء الحق في "مقام الصبر" لأيوب فإذا به عليه وعليهم السلام رمز للصابرين. فنعم الأوبة الكبرى لحقيقة الذات في أيوب. وجميل الصبر والعقبى والدار لكل الصابرين في كل الأكوار والأدوار: فالمقام هو هو وحقيقة ذات التوحيد لم تكن إلا معطى الأخيار والأبرار من لدنه تعالى، فقدس من ذاته لا موجود ولا معبود سواه، وليس كمثله شيء: له العزة والملك؛ البدء والانهاء: هو الواحد الأحد، في الظاهر والباطن في الأول والآخر. أنه العزيز الحكيم. أنه تنزيه التجريد تبارك وتعالى.
من هنا، في ذروة شاهقة من ذرى عز التقوى والتعبد، وسكون العقل الإنساني من صدق عبادته تجلى في أيوب الزمان ومقام الصبر أرفعها وأعزها بعد مقام الفقر في الحالين في دروب السالكين والمريدين فلا بد أن يخاطب عقولكم ونفوسكم ومجاري حركة العصر فيهم إنكم جميعكم، وبنو البشر قاطبة في القيم والمثل والجوهر أخوة في إنسانيتكم، أخوة في حقيقة أديانكم، أخوة في صرف الترفق من مفاسد المنقولين في الأديان، والجاحدين لخير مناقبها ودريتها، وحسن توجه القصد منها، وتوسم الخير في مراقي تقدمها وتطورها، ورهافة خشوع النفس في رحاب جنائنها. ما كان الدين يوما، ولن يكون، أداة تفرقة وفرقة بين الناس. ولا يمكن أن يكون قطعا وسيلة حروب ودمار، وقذارة اجتماعية، وانحطاط في التعامل الاجتماعي؛ كون الأديان كلها على اختلاف أزمانها وأدوارها ومراحلها وسيلة محبة في الإنجيل ورضى وإسلام وتسليم في القرآن. الأديان كلها الله مرجعها وباعثها ومعطيها بني الإنسانية قاطبة وعلى أيدي الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
فإذا كان دين الله الإسلام فالإسلام توحيد ومحض توحيد في حلقات متتابعة ومشعة منذ أن كان الوجود، وكان الموجود الحقيقي موجده ومبدئه وباعثه وبانيه، مقيمه ومؤيده بالحق بكافة الألسنة واللغات، وفي كل الأزمنة والدهور. أنه حقيقة السابق في وجوده كل الموجودات، وسابق لها ولعلة وجودها. ولا يمكن أن يكون علة لمعلول سواه. فتيقنوا وتفهموا أن السر بالمعرفة. وحقيقة العبادة أن نعرفه به، بالذات الجوهرية حيث لا يمكن أن نعرفه بغيره إطلاقا. وحدة في الدين واختلاف في المظاهر والعرض، وحدة في ذات الحق وتكثر في الشكل؛ وحدة في القرب والنجوى وتفرق في المذاهب والمسالك؛ والحقيقة هي هي في كل حال وزمان.
فحذار السقوط والزلل في متاهات الانحراف والمنحرفين، متاهات العدم والاعتكاف على عبادته في مسالك العدميين. فلا منجاة بعد فالعدم بوار ونور الحق في ذات توحيده: جنات ورضوان. بقي أن نعرف وتسلك. ويحضرني استشهاد الحلاج في صلاته الشهيرة: ".. وهؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصبا لدينك، وتقربا إليك، فاغفر لهم؛ فأنك لو كشفت لهم ما كشفت لي، لما فعلوا ما فعلوا. ولو سترت عني ما سترت عنهم لما ابتليت بما ابتليت. فلك الحمد فيما تفعل. ولك الحمد فيما تريد".
أنه سر محض التوحيد، لا يدركه ولا يعقله، ولا يعرفه إلا المتبصرون به، بذوات أبصارهم وبصيرتهم ولهم البلغة فيما يرومون ويجهدون وهذه السرية وكانت نهج حكماء الهند ومصر القديمة والصين وإيران واليونان وسواهم من الأقوام. ولا تزال ميزة من لا يزالون تعمر حياتهم وأرواحهم بمسلك الحكمة القديمة، المتصل المتجدد أبد الدهر. فالتوحيد المحض هو هذا العرفان ذاته من فرادة الحق الذي هو محض اختبار ولا يتحقق إلا في سر البصيرة العقلية والمخاطرة. إن هذا التوحيد المحض ونظرية التوحيد الثورية في الاسلام ذاته. (سورة النور) هو إحداثه الموجود في ذاته أو هو مسلك الأحدية: نهاية كل معرفة، هو "الحقيقة وحدها تشير وتدل إلى الحقيقة. ولا تدخل في أي اختلاف أو مشاحنة مع أي دين أو معتقد آخر. فالحكمة لا تنفك في أي زمان أو مكان عن الاستطلاع الأخير للعقل، ونزعته الجوهرية إلى معرفة مصير إبداعه وأصل ينبوعه ومعين خلقه.
مسيرة أيوب الروحية هي الجهاد الأكبر، جهاد النفس