. قبل كل شيء يجب علينا أن نضع في أذهاننا أن الإنسان ليس حرفيا في تعبيره عن أفكاره ، إلا في الأفكار التافهة . و في الأغلب أن الكلمات ليست لغة على الإطلاق . بل هي حركات صوتية من الصمت . إنها تدل على أفكارنا و لا توضحها ، و كلما كانت أفكارنا أشد حيوية كلما عبرنا عنها في حياتنا . إن من يريد أن يعرف الكلمات بمعونة القاموس يصل إلى البيت ، و لكنه يقف هناك و لا ينفذ إلى البهو الذي في داخله . و لذلك السبب أثارت تعاليم أنبيائنا العظام نقاشا لا ينتهي حينما حاولنا أن نعرفها من كلماتها ، لا بأن نتبعها في حياتنا . الرجال الذين أصيبوا بالذهن الحرفي هم أولئك البؤساء الذين يهتمون بشباكهم و يفعلون ما فيها من الصيد . ليس فكرة تضحية النفس في الديانة البوذية فحسب ، و لكن المسيحية قد حثت عليها بكل حرارة ، و جعلت الموت رمزا للتعبير عن فكرة الخلاص من الحياة الباطلة . و مثلها النرفانا أو فكرة انطفاء المصباح . في تعاليم الهند القديمة أن الخلاص الحقيقي هو الخلاص من "أفيديا" من الجهل . ليس ذلك في تحطيم أي شيء إيجابي أو حقيقي ، بل في تحطيم كل ما هو سلبي يعوق نظرتنا إلى الحق – لأن تحطيم الإيجابي مستحيل ، حين يزول هذا العائق ، هذا الجهل ، فإن جفن العين يكشف فلا يكون في ذلك ضياع للعين . إن جهلنا هو الذي يجعلنا نعتقد أن نفسنا كنفس – حقيقية ، و أن معناها الكامل في ذاتها . حينما نعتقد بهذه النظرة الخاطئة للنفس فإنا نعيش في حال تكون نفسنا هي الغاية الأخيرة لحياتنا . عندئذ يحق علينا الفشل كمن يحاول أن يصل إلى غايته بالقبض على تراب الطريق ، ليس من معنى نفسنا تمسكنا بها ، لأن طبيعتها هي أن نعبرها ، و أننا إذ نتعلق بخيوط النفس الزاهية خلال نول الحياة . فإنا لا نستطيع أن نجعلها ذات مساعدة للثوب الذي تنسجه الحياة . حين يحاول الإنسان أن يعمل لمتعة نفسه باهتمام و تدبير فإنه يشعل النار و لكنه لا يخبز عليها ، النار تتوهج و تأكل نفسها ثم تنطفئ . كوحش شاذ يأكل نفسه ثم يموت .
|
| |
في اللغات المجهولة تكون الكلمات بارزة و طاغية أمامنا ، إنها توقفنا لديها و لا تقول شيئاً ، و إذا أردنا النجاة من قيد الكلمات فعلينا أن ننزع عن أنفسنا "أفيديا" . أن ننزع جهلنا فيجد فكرنا حريته في الفكرة الباطنية . و لكن من الحمق أن نقول إن جهلنا باللغة لا يزول إلا بتحطيم كلماتها. كلا ، و لكن حين تأتي المعرفة الكاملة ، فإن كل كلمة تبقى مكانها و لكنها لا تقيدنا إليها ، بل تتركنا نعبر خلالها . و تقودنا إلى الفكرة التي فيها خلاصنا .
إن أفيديا هذه هي التي تقيدنا بأنفسنا ، بأن تجعلنا نعتقد أنها غاية في ذاتها ، و تعوقنا عن إدراك الفكرة التي تحتويها ، والتي تسمو عن حدودها . لذلك قال أحد الحكماء : حرر نفسك من أفيديا و اعرف روحك الحقيقة ، و انج من قبضة النفس التي تسجنك .
إننا نحصل على الحرية حينما ندرك طبيعتنا الحقيقية . الفنان ينال حريته الحقيقية حينما يدرك مثله الأعلى في الفن . عندئذ يتحرر من محاولاته الشاقة للمحاكاة و من استحسان الجمهور . و ليست غاية الدين أن يحطم طبيعتنا بل أن يكملها .
كلمة "دهارما" في السانسكريتية تترجم عادة في الإنكليزية بالدين و لكن لها في لغتنا معنى أعمق من هذا – " دهارما Dharma " هي الغاية الأخيرة التي تعمل خلال نفوسنا . حينما يرتكب ضرر نقول إن دهارما هي التي أصابها الضرر – أو أن الضرر قد أصاب طبيعتنا الحقيقية .
و لكن هذه الدهارما – أو الحقيقة التي فينا ليست ظاهرة . لأنها خالدة لذلك فقد قيل إن الخطيئة من طبيعة الإنسان ، و أن الرحمة الإلية وحدها هي التي تنقذ الشخص الموعود . إن ذلك كالقول بأن طبيعة الحبة أن تظل مطوية بين قشرتها ، و أن معجزة خاصة هي التي تنميها إلى شجرة . و لكن ألا نعرف أن مظهر الحبة يناقض طبيعتها – عندما نخضعها للتحليل الكيماوي نجد فيها الكربون و البروتون و كثيرا من الأشياء الأخرى الحميدة – و لكنا لا نجد فيها فكرة الشجرة المتفرعة . و لكن حينما تبدأ الشجرة في النمو فإنك تعرف ( دهارما ) – و تستطيع أن تؤكد بلا شك أن الحبة التي أهملت و تعفنت في الأرض قد حصلت على ( دهارما ) . على اكتمال طبيعة الشجرة في تاريخ الإنسانية نجد هذه البذرة الحية تنبثق – و إنا نعرف أن الغابة العظيمة التي فينا قد اتخذت لها شكلا في حياة العظماء . لقد أيقنا أن الأفراد – و لو أنهم عديدون – يعيشون حياتهم بلا أثر – فذلك لأن دهارما التي فيهم مقيدة – و لكن عليهم أن يشقوا غطاءهم و يحولوا أنفسهم إلى نبتة روحية ، نامية في الهواء و النور ، متفرعة في كل الأنحاء .
حرية البذرة في حصولها على دهارما و قدرها و طبيعتها في ان تصير شجرة . و عدم قدرتها على ذلك سجن لها . إن التضحية التي ينال لها الشيء كماله ليست تضحية تؤدي إلى الموت – بل هي نزع القيود لينال الحرية . حين نعرف المثل الأعلى للحرية التي في الإنسان نعرف دهارما التي فيه – نعرف جوهر طبيعته ، و معنى نفسه الحقيقي في النظرة الأولى نعرف أن حريته بأن يكون طليقا لينال لدات النفس و عظمة النفس ، و لكن التاريخ يؤكد غير ذلك : إن عظماءنا هم الذين عاشوا حياة تضحية النفس ، إن طبيعة المرء العلوية تنشد شيئا يفوقها ، وهو مع ذلك أعمق حقائقها ، شيئا يطالبها بكل تضحية ، ويجعل من تضحيتها قيمة لها . تلك ( دهارما ) الإنسان ، الإنسان ، و دين الإنسان ، و ما النفس إلا الوعاء الذي يحمل فيه تضحيته إلى المذبح .
نستطيع أن ننظر إلى أنفسنا بمظهرين مختلفين : النفس التي تظهر ذاتها ، و النفس التي تعلو على ذاتها ، و بذلك تكشف عن حقيقة معناها ، فهي لكي تظهر ذاتها تحاول أن تكون كبيرة ، و أن تقف على قمة مدخراتها ، و أن تحجز كل شيء لها ، و هي لكي تكشف عن ذاتها تعطي كل شيء لتكون كاملة كالزهرة التي تنبثق من البرعم ، و تكسب من كأس جمالها كل حلاوتها . المصباح يحوي الزيت ، و يحفظه في قبضته المقفلة من أقل ضياع ، و بذلك يكون منفصلا عما حوله من الأشياء ، و يكون تعيسا . و لكنه حين ينير يجد معناه فجأة ، ويقرر صلته بكل الأشياء قريبة و بعيدة ، و يضحي حرا بما فيه من زيت ليغذي اللهيب .
نفسنا مثل هذا المصباح ، ما دامت تدخر ممتلكاتها تترك ذاتها مظلمة ، لأن طريقها يعارض غايتها الحقيقية ، ولكنها إذ تجد نورها تنسى نفسها في لحظة ، و ترفع النور عاليا ، و تمده بكل ما فيها ، لأن في هذا النور معناها ، هذا المعنى الذي عناه بوذا إذ سأل المصباح أن يهب زيته – و لكن الهبة بلا غاية فقر يتركنا في ظلمة أشد ، و ذلك ما لا يعنيه . على المصباح أن يهب زيته للنور ، فيحرر الغاية التي في ما يدخره ، و في هذا خلاصه . إن الطريق الذي أشار إليه بوذا ليس طريق الزهد في النفس ، بل رحابة الحب . و ذلك هو المعنى الحقيقي لتعاليم بوذا .
عندما نصل إلى حالة النرفانا التي وصى بها بوذا من خلال الحب ، نعرف أن هذه النرفانا هي أعلى درجات الحب ، لأن الحب غاية في ذاته ، كل شيء سواه يبعث في ضمائرنا هذا السؤال : لماذا ؟ و يطالبنا بجوابه . و لكن حين أقول أنا أحب . فلا مجال لهذا السؤال لأنه فيه جوابه الأخير .
إن الأنانية بلا شك تحث المرء أحيانا أن يضحي ، و لكن الأناني يفعل ذلك لضرورة ذلك كاقتطاف ثمرة غير ناضجة ، عليك أن تمزقها من الشجرة و تنزعها من الغصن . و لكن حين يحب الإنسان تصبح التضحية فرحا له ، كالشجرة إذ تهب ثمارها الناضجة . إن أملاكنا ثقل علينا ، لأن نفوسنا الأنانية تنجذب إليها ، فلا نستطيع بسهولة أن ننزعها عنا ، و يخيل إلينا أنها من طبيعتنا و أنها لنا كجلد آخر ندمى إذ ننزعه عنا . و لكن حين.
و لكن حين نحب تكون لقوتها وجهة أخرى ، تفقد الأشياء المرتبطة بنا صلتها و ثقلها ، و نشعر بأنها ليست لنا ، و لا تصير تضحياتها خسرانا ، بل نجد فيها اكتمال طبيعتنا .
لذلك نجد حرية نفوسنا في الحب الكامل . الشيء الذي يعمل للحب يعمل بحرية كاملة ، مهما يكلفنا من الآلام ، لذلك كان العمل للحب هو الحرية في العمل ، و ذلك معنى تعاليم "جينا" أن نعمل بصفاء نية .
تقول الجينا : علينا أن نعمل ، لأنه في العمل تتجلى طبيعتنا . و لكن تجلي طبيعتنا هذا لا يكون كاملا إذا لم يكن عملنا حرا . حقا إن طبيعتنا محجوبة وراء العمل الذي يعمل رغبة أو رهبة . الأم تتجلى طبيعتها لأبنائها ، فليست الحرية إذن الحرية من العمل بل الحرية في العمل ، و ذلك لا يكون إلا في أعمال الحب.
الله يتجلى في " عمل " الخلق . لذلك تقول الأبانيشادز : المعرفة و القوة و العمل من طبيعته ، عمله لا يفرض عليه من الخارج ، ففي عمله حرية ، وفي خلقه يحقق نفسه ، و قد عبر عن هذا المعنى في موضع آخر بكلمات أخرى : " من الفرح ينبثق كل الوجود ، و بالفرح ، يحفظ ، و إلى الفرح يسير ، و في الفرح يغيب " ذلك يعني أن خلق الله لم يصدر عن الضرورة ، بل عن اكتمال فرحه ، فحبه الذي خلق ، لذلك كان تجليه في خلقه .
الفنان الذي لديه فرح بالكتمال فكرته الفنية يصورها ، و ينالها إذ تبتعد عنه ، إنه الحب الذي يجعلنا نفصل نفوسنا منا ، و خلق الحب هو الذي يصورها ليكمل امتلاكنا لها . لذلك يجب أن يكون هناك انفصال ، لا انفصال ضرورة ، بل انفصال حب . لانفصال الضرورة عنصر واحد هو التفرق ، و لانفصال الحب عنصران : و ذلك كالأب إذ يلاعب ابنه بين ذراعيه ، إن له مظهر الانفصال و الحقيقة ضد ذلك .
لذلك علينا أن نعرف حقيقة نفوسنا لا توجد إذ نحن منفصلون عن الله و الناس ، بل في الشعور الدائم بيوجا Yoga بالوحدة . هي ليست في النسيج الخاوي المظلم ، بل في الجانب الذي فيه الصورة .
و لذلك وضح الفلاسفة انفصال نفوسنا بمايا Maya بالخداع ، لأنه ليس حقيقة في ذاته . إنها تلوح خطرة ، و إنها لترفع انفصالها إلى علو شاهق ، و تلقى منه ظلا أسود على وجه الوجود الجميل ، إنها في مظهرها منفصلة متمردة مهدمة ، إنها متكبرة مسيطرة مستعدة أن تنهب الوجود كل ثروته لتشبع نهمتها لحظة واحدة ، و أن تنزع بيد عابثة قاسية الريش من ظائر الجمال الإلهي اتزين قبحها يوما واحدا . حقا إن أسطورة الإنسان تحمل على جبينها طابع العصيان إلى الأبد ، و لكن هذا " مايا " التي تحوي "أفيديا" ، إنه الضباب لا الشمس ، إنه الدخان الأسود الذي يلف نار الحب .
تخيل همجيا يظن لجهله أن أوراق النقد لها من السحر ما يمكن مالكها أن ينال ما يريده ، فهو يكومها و يخفيها ، و ينظمها بشتى الطرق الحمقاء ، و أخيرا يتعب منها ، و تنتهي إلى أنها لا قيمة لها ، فيلقى بها إلى النار . و لكن العاقل يعرف أن أوراق النقد هي "مايا" ، و إنها إن لم ترد إلى مصرفها لا يكون لها قيمة . إن "أفيديا" وحدها – إن جهلنا هو الذي يجعلنا نعتقد أن انفصال أنفسنا – التي تشبه أوراق النقد – له قيمة في ذاته ، فإذا سرنا على هذا الاعتقاد لم تعد لنفسنا قيمة ، و لكن حين تزول "أفيديا" نأتي لثروتنا التي لا حصر لها ، لأنه "هو يتجلى في شتى الصور الخالدة ، التي يتشكل بها فرحه" هذه الصور منفصلة عنه ، و عندما نعود بها إلى ينبوع فرحها الذي هو الحب – عندما نعود بها إلى المصرف نجد حقيقتها .
عندما تدفع الحاجة المحضة الإنسان إلى عمل ، تتكون في النفس شخصية عرضية زائلة لغرض وقتي ، نهجرها و نتركها وراء أنقاضا حين تغير حاجتنا وجهتها – و لكن حينما يكون هذا العمل فيض الفرح فإن الصور التي يخلقها يكون فيها عنصر الخلود . إن " الخالد " الذي في الإنسان يهبها صفة بقائه .
نفسنا – كصورة من فرح الله – خالدة لأن فرح الله "أماريتام" Amaritam هو خالد – ذلك ما يجعلنا في ريبة من الموت حتى حين تكون حقيقة الموت ثابتة ، و للتوفيق بين هذا التناقض أتينا إلى هذه الحقيقة : أن بين ازدواج الموت و الحياة انسجاما . إنا نعرف أن حياة الروح المحدودة في تعبيرها و غير المحدودة في حقيقتها – عليها أن تمر خلال منافذ الموت لتدرك لا نهائيتها . الموت فردي ، لا حياة فيه . و لكن الحياة مزدوجة ، لها مظهر ، و حقيقة الموت هو المظهر ، هو مايا الذي هو رفيق الحياة الدائم . و نفسنا لكي تفيش عليها أن تذهب خلال تغير و نمو مستمر في صورتها . و ذلك يعني حياة دائمة و موتا دائما في وقت واحد . إنه لإغراء للموت بنفوسنا إذ نريد ان نرفض الموت . إذ نريد أن نجعل لصورة نفسنا ثباتا لا يتغير ، إذ لا تحس النفس فيها بدافع يدفعها للتقدم ، إذ تظن حدودها خالدة و نعمل نحن حسب ذلك ، حينئذ تأتي صرخة معلمنا إلى أن يموت هذا الموت – ليس ذلك تلاشيا بل دعوة إلى حياة خالدة . إنه أشبه ما يكون بانطفاء المصباح في نور الصباح . لا كزوال الشمس . إن ذلك إجابة للرغبة الباطنية التي في أعماق طبيعتنا .
في وجودنا نظام مزدود لرغباتنا نحاول أن نوجد بينه انسجاما ، ففي مملكتنا طبيعتنا العضوية لدينا نظام ننتبه له دائما ، فنحن نريد أن نتمتع بطعامنا و شرابنا . و أن نسعى وراء ملذاتنا الجسدية و راحتنا ، هذه الرغبات مركزها النفس ، متصلة بدوافعها فحسب ، و كثيرا ما تتلاقى رغبات ذوقنا مع ما تسمح به معدتنا .
و لكن لنا قانونا آخر لا نعيره في الغالب التفاتا ، هو إرادة نظامنا العضوي ككل ، و رغبتنا في الصحة ، هذا القانون يعمل أبدا ، فيصلح ما فسد ، و ينظم الحالات العارضة ، و يعيد إلى التوازن كل اضطراب . إنه لا يهتم بإنجاز رغباتنا الجسدية العارضة ، بل يذهب إلى ما وراء الحاضر . ذلك هو قانون كلنا العضوي . إنه يربط حياتنا بالماضي و المستقبل ، و يقرر وحدة أجزائها – و الحكماء يعرفون كيف يوفقون بين رغباتهم الجسدية و بينه .
لنا جسم أعظم هو جسم " المجتمع " – المجتمع نظام أجزاؤه رغباتنا الفردية . فنحن نبقى لذاتنا و متعاتنا ، و نريد أن نعطي أقل ، و أن نربح أكثر من أي شخص . و ذلك يولد المنازعات و الحروب . و لكن هناك رغبة أخرى تعمل في أعماق كائن المجتمع . و تلك هي إرادة خير الجميع . إنها تعلو عن حدود الحاضر ، و الفرد ، و تذهب نحو اللانهاية .
و الحكماء هم الضين يجعلون بين رغباتهم و ملذاتهم ، وبين الإرادة التي تعمل لخير الجميع انسجاما . و بذلك يعرفون نفسهم العلوية .
النفس – في مظهرها المحدود – تشعرها بانفصالها ، و إنها لقاسية في محاولتها نيل امتياز لها عن الجميع . و لكنها في مظهرها غير المحدود تريد نيل تناسقها الذي يقودها إلى الكمال لا إلى العظمة .
إن خلاص طبيعتنا العضوية في نيل الصحة ، و خلاص كائننا الإجتماعي في نيل الخير ، و خلاص نفسنا في نيل الحب . و هذا ما عبر عنه بوذا بالفناء فناء الأنانية . و ذلك وظيفة الحب تقود إلى النور لا إلى الظلام . و ذلك نيل بودهي ، أو الصحوة الحقيقة . إذ يتجلى الفرح اللانهائي فينا بنور الحب .
إن سبيل نفوسنا خلال الأنانية – التي هي الإستقلال – لتنال الروح – التي هي التناسق . هذا التناسق لا نصل إليه اضطرارا . لذلك فروحنا في تاريخ نموها وصلت من خلال الأستقلال و التمرد إلى غايتها من الكمال . علينا أن نعرف الصورة السلبية للحرية – التي هي الفوضى – لنعرف الصورة الإيجابية التي هي الحب .
هذه الحرية السلبية ، حرية إرادة النفس تستطيع أن تتجه ضد كنهها العلوي و لكنها لا تستطيع أن تستمر على ذلك ، لأنها حينئذ تفقد معناها .
إن لإرادة نفسنا حريتها إلى درجة معينة . إنها تستطيع أن تعرف أنها تستطيع أن تمشي ضد سبيلها – و لكنها لا تستطيع أن تفعل ذلك دائما ، لأننا محدودون في الجانب السلبي . إننا نقف عند حد في فعل الشر و في سبيل الفوضى . لأن الشر ليس أبديا ، و الفوضى لا يمكن أن تكون غاية في ذاتها . إن لنفسنا حريتها حتى تجد سبيلها الحقيقي تجاه الخير و الحب ، لأن الخير و الحب أبديان . و نحن في اتجاهنا الأبدي ندرك الشعور الكامل بالحرية . لذلك لا تكون إرادتنا حرة إذ تسير إلى حدود النفس ، إلى مايا ، إلى السلبية ، بل إلى غير المحدود ، إلى الحق و الحب . إن حريتنا لا تستطيع أن تعارض مبدأ الحرية و تكون مع ذلك حرة . لا تستطيع أن تنتحر و تكون مع ذلك حيا . لا نستطيع أن نقول إن لنا مطلق الحرية في تقييد أنفسنا ، لأن القيد نهاية الحرية .
ففي حرية الإرادة هناك نفس الإزدواج بين المظهر و الحقيقة . إرادة النفس مظهر الحرية و الحب حقيقتها . و إذا حاولنا أن نجعل هذا المظهر مستقلا عن الحقيقة فإن محاولتنا تجلب لنا التعاسة ، و تبرهن في النهاية على عبثها . كل شيء فيه هذا الإزدواج بين "مايا" و "ساتيام" ، بين المظهر و الحقيقة ، فالكلمات "مايا" حيث هي مجرد أصوات محدودة.
و هي "ساتيام" حيث تدرك جوهرها في الكون و اللانهاية ، و في النفس العلوية في باراماتمان Paramatman ذلك ما عناه المسيح حين قال : "قبل ابراهيم أنا موجود" "أنا" الخالدة هي التي تتحدث من خلال "أنا" التي في الفردي . "أنا" تنال كمالها إذ تدرك تناسقها و حريتها مع اللانهائي "أنا" . هذا هو مُكتي Mukti خلاصها من عبودية "مايا" ، من المظهر الذي ينبع من "أفيديا" من الجهل . خلاصها في كانتام كيفام أوفتام . في السكون الكامل في الحق و في العمل الكامل في الخير ، و في الإتحاد الكامل في الحب .
كما تنفصل النفس كذلك تنفصل الطبيعة عن الله . و ذلك عبر عنه فلاسفتنا بمايا . لأن الإنفصال غير موجود بذاته . إنه لا يحد لأنها نية الله من الخارج . إن إرادته هي التي وضعت الحدود لذاته كلاعب الشطرنج يحد إرادته في لعبه بالقطع ، إن اللاعب يقبل مختارا الصلات المحدودة التي بين كل قطعة و أختها ، ليحقق فرحه بقوته بواسطة هذه الحدود . ليس معنى ذلك أنه لا يستطيع تحريك القطع كما يريد و لكنه لو قبل ذلك لبطل اللعب . و لو أن الله اتخذ قدرته اللانهائية قانونه لانتهى الخلق ، و لما كان لقوته معنى . لأن القوة يجب أن تكون قوة بين الحدود . ماء الله يجب أن يكون ماء ، و أرضه لا يمكن أن تكون غير أرض . و القانون الذي جعل الماء و الأرض هو قانون ينفصل به اللاعب عن لعبه ففي ذلك يوجد فرح اللاعب .
كما تنفصل الطبيعة بقانونها عن الله ، كذلك النفس تنفصل بإرادتها عنه ، فلقد وضع باختياره حدودا لإرادته ، و وهبنا السيادة على عالمنا الصغير . كما يهب الأب لإبنه مالا ، يكون في حدوده حر التصرف كما يريد . هذا المال و لو أنه من ثروة الأب إلا أنه قد حرر من تصرف إرادته . و ذلك لأن الإرادة إرادة الحب ، فهي حرة . و لا تجد فرحها إلا في الإتحاد بإرادة حرة أخرى . الطاغية يعد عبيده آلات لأغراضه ، و إن شعوره بحاجته لهم هو الذي يجعله يحطم إرادتهم ، ليصون رغبات نفسه ، هذه الرغبات لا تستطيع أن تضعف ذرة من حرية الآخرين ، لأنها هي ليست حرة . إن الطاغية غير مستقل عن عبيده ، فهو يحاول أن يجعلهم نافعين له تماما ، بأن يجعلهم تابعين لإرادته ، أما المحب فيجب أن يكون ثم إرادتان لإدراك حبه . لأن كمال الحب في التناسق بين حرية وحرية . لذلك فإن حب الله الذي منه تصورت نفوسنا قد جعلها منفصلة عن الله ، و حب الله الذي أوجد الوفاق ثانية ، و وحد الله بنفوسنا من خلال هذا الإنفصال . فعلى نفوسنا أن تسير خلال تجردات عديدة لأن سبيل الإنفصال لا يمكن أن يدوم إلى الأبد ، الإنفصال حد تجد النفس فيه تخومها لتعود مرة و مرة إلى منبعها اللانهائي . على نفسنا أن تنزع دائما عنها هرمها ، و أن تطرح حدودها إلى النسيان و الموت لتدرك شبابها الخالد . و أن تنغمس فرديتها مرة و مرة في الكوني ، و تعبر خلاله كل لحظة لتجدد حياتها الفردية ،عليها أن تتبع النغم الأبدي ، و تلمس مبدأ الوحدة في كل خطوة ، و تقرر توازن الإنفصال في القوة و الجمال .
نرى لعب الموت و الحياة في كل مكان ، و نرى القديم يعود لنا جديدا ، اليوم يأتي لنا كل صباح أبيض نضيرا كزهرة ، ولكنا نعرف أنه قديم ، إنه القدم نفسه ، أنه هو نفس اليوم القديم الذي أخذ الأرض الوليدة بين ذراعيه ، و غطاها برداء النور الأبيض و بعثها في حجها بين النجوم
و لكن قدمه لم تتعب ، و عينه لم تكل ، إنه يحمل الجوهرة الذهبية للأبدية الجديدة ، التي تزول بلمستها كل الغضون من جبهة الخليقة . في أعماق قلب العالم يثوي الشباب الخالد ، الموت و الاضمحلال يلقي على وجهه ظلالا عابرة ثم يمضي من غير أن يترك أثرا لخطاه ، و تبقى الحقيقة ناضرة صغيرة .
هذا اليوم القديم .. القديم لهذه الأرض يولد كل مرة و مرة كل صباح ، و يعيد لنا بدء أنغام موسيقاه . لو كان سبيله سبيل الخط المستقيم إلى ما لا نهاية ، و لم تكن فيه تلك السكتة الرهيبة في أغوار الظلمة الرهيبة ليولد من جديد في الحياة في ابتداءات لا تنتهي إذن نفسه شيئا فشيئا ، و لدفن الحقيقة في ترابه ، و لنشرت خطاه الثقيلة على الأرض ألما مستمرا ، إذن لتركت كل لحظة ثقل سأمها وراءها ، لسيطر الاضمحلال فوق عرشه الأيدي الترابي .
و لكن اليوم يولد من جديد كل صباح بين الأزهار الوليدة ، و معه نفس الرسالة التي يكررها ، و نفس اليقين المجدد في أن الموت يموت ، أن أمواج الاضطراب على السطح ، و أن بحر الصفاء بلا أغوار . لقد رفع ستار الليل جانبا ، و بدت الحقيقة ليس على ردائها ذرة من غ بار ، و لا على ملامحها خط من هرم .
إننا نرى أن ذلك الذي كان قبل كل شيء هو نفسه يوجد اليوم ، كل نغمة من أنغام الخلق تأتي جديدة من صوته ، إن الكون ليس صدى يتردد من سماء إلى سماء كجوال شريد . إن صدى الأغنية التي غنيت في بدء وجود الأشياء المبهم لم تترك يتيمة ، فكل لحظة تأتي من قلب خالقها ، و تتنفس بأنفاسه .
و لذلك تنتشر السماء كفكرة محصورة في قصيدة ، و لا تتحطم بددا تحث ثقلها الكثيف . و لذلك كانت تلك التغيرات المستمرة العجيبة ، والتقدم الذي لا يحصر ، و موكب الفرديات الذي لا ينقطع ، والذي لا يوجد لواحد منه شبيه في الوجود . الأول كالأخير ، و البدء لا ينتهي ، والعالم أبدا قديم و أبدا جديد .
إن على نفسنا أن تدرك أن عليها أن تولد من جديد في كل لحظة في الحياة ، و أن تحطم الأوهام التي تحبسها في قفصها لتظهرها في شكل الهرم ، و تثقلها بالموت .
لأن الحياة هي الشباب الخالد . إنها تكره الهرم الذي يحاول أن يعوق مجراها ، الهرم الذي ليس من الحياة في الحقيقة ، و لكنه يتبعها كما يتبع الظل المصباح .
إن حياتنا كالنهر يصدم شطآنه لا ليحصر بينها . بل ليدرك من جديد كل لحظة أن له فتحة لا تنتهي إلى البحر ، إنها كالقصيدة تصطدم بالوزن في كل خطوة لا لتصمت تحت قيوده الصامدة ، بل لتعبر في كل لحظة عن حريتها الباطنية في التناسق .
إن جدران فرديتنا الحاجزة تدفعنا إلى داخل حدودنا في جانب منها ، و في الجانب الأخر تقودنا إلى غير المحدود . و لكهنا حين تريد أن تجعل هذه الحدود لا نهائية ، فإنا نضطرب بين المتناقضات العديدة ، و تجلب لنا تعاسة الخيبة .
ذلك سبب التطورات العظيمة في التاريخ . حين يريد الجزء أن يدفع الكل و ينفصل عن طريقه ، فإن قوة الكل العظيمة تحطمه بعنف ، و تقف فجأة ، و تلقيه إلى التراب . حين يحاول الفرد أن يعوق مجرى قوة العالم الدائمة الجريان ، و يحبسها لنفعه الخاص ، فإنها تجلب له كارثة . إن الملك مهما يكن قويا فلن يستطيع أن يرفع علم العصيان ضد منع القوة اللانهائية – التي هي الوحدة ، ويبقى بعد ذلك قويا .
لقد قيل : "إن الناس يثرون بالباطل و يجمعون ما يريدون ، و ينتصرون على أعدائهم ، و لكنهم آخر الأمر تنقطع جذورهم و يقاسون الفناء.....
فيجب أن توغل جذورنا عميقة بعيدة في الكون إذا أردنا أن ننال عظمتنا الشخصية .
إن غاية نفسنا الأخيرة أن تطلب الإتحاد ، و أن تحني رأسها للحب و الحنان ، و أن تأخذ مكانها حيث يلتقي الرفيع و الوضيع . عليها أن تربح بأن تعطي ، و أن تسيطر بأن تخضع . إن ألعاب الطفل تفزعه إن لم يستطع العودة منها إلى أمه . و إن كبرياء شخصيتنا لعنة علينا إن لم نستطع أن نخضعها للحب . علينا أن نعرف أن تجلي اللانهاية فينا التي هي جديدة دائما ، جميلة أبدا ، هو الذي يهبنا المعنى الوحيد لنفوسنا