العالم اللطيف , الضخم بشكل يفوق الوصف عندما يقارن بالعالم المادي , هو نفسه مجرد جزء مجهري من جانب أكثر اتساعاً للكون الذي يمكن وصفه بالعالم السببي أو العِلِّيّ . لقد عُرِفَ بالعالم السببي لأنه من هذا الجانب الأرفع نشأت العوالم الكثيفة و اللطيفة . جميع هذه العوالم الثلاثة , المادي , اللطيف ( أو العقلي ) , و السببي , كبيرة بشكل هائل . صرّحت الكتب المقدسة أن ليس بإمكان العقل البشري أن يفهمها أو يفسرها بالكلمات . إنها أبعد من الخيال , تفوق قابلية العقل للفهم . و أبعد من كل هذا , يتجاوز الكثيف و اللطيف و العلّي , هو الحقيقة الإلهية , المُعِلّ الأساسي للكلّ .
طريق التكريس الله أبعد من الكثيف و اللطيف و السببي . لكنه يحكمها جميعاً . إنه سيد الزمن , الماضي , الحاضر و المستقبل . أُعطِيَت الكائنات البشرية قدرات محدودة و قد تجد صعوبة كبيرة في فهم هذه الحقيقة الإلهية . في هذه الحالة , الطريق الأسهل أن يُتّبَع هو طريق التكريس . هذا ما علّمه كريشنا لأرجونا . وصف كريشنا طريق التكريس في ثلاث مراحل .
· الأولى و الأهم هي :
اعمل لله ! قد لا تكون مدركاً لذلك , كل جزء من عمل تقوم به قد عُمِلَ لله . إنه الحاكم الأعلى لهذا العالم و كل شيء في هذا العالم ينتمي إليه . عندما تعرف ذلك , اجعل كل فعل تأخذه على عاتقك تقدمةً لله . كَرِّس كل جهودك له , بينما تكون واعياً أبداً أن الله ليس خارجك .
· المرحلة الثانية هي :
من أجل الله وحده ! حتى هذه النقطة كنت لا تزال تفكر بنفسك فقط . لكن من أنت ؟ من هي هذه الأنا التي تستخدمها لتنسبها إلى نفسك ؟ قال كريشنا , " إنه أنا الذي أُشِعُّ فيك . " هذه الكلمة ( أنا ) لا تخص الجسد , لا لجسدك ولا لجسد كريشنا . هذه ( الأنا ) تنبع من الذات العليا , الذات الخالدة , الروح atma . هذه ( الأنا ) ينبغي ألا تُوازَن بالجسد أو الفكر أو المقدرة الحَدسية أو أي مظهر آخر للفرد . إنها تتجاوز الذات الشخصية المحدودة للفرد . هذه ( الأنا ) ترتبط فقط بالذات اللاشخصية اللامحدودة , الذات الإلهية , التي هي الذات الحقيقية لكل إنسان .
الذات الشخصية المحدودة التي تدعو نفسها " أنا " ربطت نفسها بالمفهوم العام أو المصطلح . لكن الذات الشخصية ليست الذات الحقيقية . إنها مجرد انعكاس للذات الإلهية الواحدة الخالدة . مهما يكن ما تفعله ليكن من أجل رضا الذات الإلهية وحدها . مالم تُدرك هذه الحقيقة المقدسة فأنت محاصر بالوهم و الخداع . كريشنا أخبر أرجونا : " أي شيء تفعله , افعله لإرضائي , من أجلي . أنجز كل أعمالك بتأييد مني . تصرّف كأداة لي " . هذه الأنا و اللي التي يتحدث عنها كريشنا ليست الله خارج ذاتك . إنها تعود على الروح atma , ذاتك الإلهية . افعل كل ما تفعله من أجل الله وحده , فهو ليس إلاّ ذاتك العليا .
· المرحلة الثالثة هي :
كن مكرَّساً لله وحده ! افهم السر الداخلي لهذا التوجيه . التكريس هو التعبير عن الحب , و الشعور الذي يسمى حب ينبعث من الله , ذاتك العليا . المحبة تأتي من الله و تُوَجّه إلى الله .
المحبة لا علاقة لها على الإطلاق بالمشاعر الدنيوية و الأشياء العلمانية . المحبة , التي هي بكلمة أخرى التكريس , هي الاسم الفعلي لذاتك العليا . مبدأ المحبة هذا الذي ينبعث من صميم قلبك يجب أن يُشبِع كل فعل , كلمة و فكرة . سيحدث هذا عندما تنوي أن كل ما تفعله و تقوله أو تفكر به من أجل رضا الله وحده .